تكشف محادثات التنفيذ في الدوحة عن خط صدع بنيوي داخل إطار تفاوضي بوساطة سويسرية، حيث إن الاتفاق على الإجراءات يخفي خلافاً أعمق حول المعنى ذاته.
بينما يجتمع المفاوضون الأميركيون والإيرانيون في الدوحة لإجراء محادثات تقنية غير مباشرة، وفق تقارير رويترز ووزارة الخارجية السويسرية، لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كانت الدبلوماسية تعمل، بل حول ما إذا كانت واشنطن وطهران تعملان أصلاً داخل التعريف نفسه لما تم الاتفاق عليه.
هذه الفجوة تتحول تدريجياً إلى المتغير المركزي في مسار المحادثات.
نادراً ما تنهار الأطر الدبلوماسية عند لحظة التوقيع. إنها تنهار لاحقاً، عندما يفرض التنفيذ على كل طرف الكشف عما كان يعتقد أنه حصل عليه مسبقاً. تبقى اللغة قائمة، لكن التفسير يتشظى. الاستقرار في الشكل يخفي عدم الاستقرار في المعنى.
تأتي محادثات الدوحة الحالية امتداداً لمفاوضات بوساطة سويسرية في بورغنشتوك، حيث أكدت وزارة الخارجية السويسرية وجود خارطة طريق تمتد 60 يوماً نحو اتفاق نهائي ضمن مذكرة تفاهم أوسع.
وبحسب تقارير رويترز، فإن قطر وباكستان مندمجتان في البنية التفاوضية، عبر الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران.
يتضمن جدول الأعمال تخفيف العقوبات، والتحقق التقني، وأمن الملاحة البحرية، وآليات خفض التوترات الإقليمية، وفقاً لتقارير رويترز والجزيرة حول مرحلة التنفيذ.
لكن عند هذه النقطة تحديداً، يتوقف الغموض الدبلوماسي عن كونه أداة مفيدة، ويبدأ في التحول إلى عامل خطر.
التنفيذ يزيل المساحة التي كان يعيش فيها الغموض. فبمجرد الانتقال من إطار التفاوض إلى التنفيذ، يتحول كل مصطلح غير محدد إلى نقطة قرار، وكل نقطة قرار إلى كشف لخلاف كان مغطى سابقاً بلغة دبلوماسية مرنة.
بالنسبة لواشنطن، يعكس الإطار منطقاً مألوفاً في الدبلوماسية القسرية: الضغط يولد نفوذاً، والنفوذ ينتج امتثالاً، والامتثال يعيد إنتاج القدرة على التنبؤ الاستراتيجي. في هذا التصور، يُنظر إلى تخفيف العقوبات والتفاعل التقني كأدوات لتشكيل السلوك، لا كتنازلات.
أما إيران فتعمل ضمن منطق مختلف. فالضغط ليس حالة مؤقتة يجب إنهاؤها، بل هو بيئة دائمة يجب إدارتها. البقاء داخل القيود يصبح بديلاً عن إزالة القيود. وما تعتبره واشنطن امتثالاً تدريجياً، تراه طهران دليلاً على أن المقاومة لا تزال تولد مساحة استراتيجية.
ليس أي من هذين القراءتين بالضرورة تضليلياً. فالغموض هنا وظيفي، إذ يسمح لكلا الطرفين بإعلان التقدم دون حل التناقض الجوهري. تستطيع واشنطن تقديم خطوات تدريجية كدليل على فعالية الضغط، بينما تستطيع طهران تقديم الخطوات نفسها كإثبات على أن الصمود يحقق نتائج. ويستمر الاتفاق فقط لأن معناه لم يُحسم.
هذا التناقض أصبح واضحاً في الدوحة. تشير تقارير رويترز إلى أن المسؤولين الأميركيين يتعاملون مع المحادثات كمسار نحو آليات تحقق، وانخراط منظم، وخفض تصعيد تدريجي. في المقابل، يرفض المسؤولون الإيرانيون أي تأويل يشير إلى توسع في الرقابة أو تغيير في الموقف الاستراتيجي.
وعند هذه النقطة، لم يعد الخلاف حول السياسة، بل حول ما يفترض أن تنتجه هذه السياسة أصلاً.
جدول أعمال الدوحة يحول هذا الخلاف إلى عناصر ملموسة: أمن الملاحة في مضيق هرمز، تطبيق العقوبات، الأصول الإيرانية المجمدة، وترتيبات التحقق لم تعد مفاهيم نظرية، بل أدوات تشغيلية قائمة على افتراضات متعارضة حول الامتثال والسيطرة.
وهنا تحديداً، تتوقف الدبلوماسية عن كونها مساراً منفصلاً عن الإكراه، وتصبح موازية له. فالقوة العسكرية لم تعد خلفية للمفاوضات، بل جزءاً من سياقها. وإشارات الردع تُقرأ عبر المنظور نفسه الذي يعيد تشكيل معنى التفاوض.
تتجاوز التداعيات غرفة التفاوض. فبحسب تقارير رويترز والجزيرة، فإن مجرد تصور التقدم أو الانهيار ينعكس مباشرة على حسابات مخاطر الملاحة، وأسعار الطاقة، وتدفقات الاستثمار، وتخطيط أمن الخليج. الأسواق لم تعد تنتظر النتيجة، بل تسعّر التفسير.
المشكلة الأعمق ليست في الخلاف على البنود، بل في الفجوة البنيوية بين الاتفاق على الإجراءات والخلاف على الغاية. أحد الطرفين يقيس النجاح بمدى التقييد المُتحقق والمتحقق منه، بينما يقيسه الطرف الآخر بمدى القدرة على الاستمرار تحت القيود. كلا المنطقين متماسك داخلياً، لكنهما غير قابلين للتوافق على المدى الطويل.
ما إذا كان هذا الإطار سيستقر أو يتفكك يعتمد أقل على صياغة النصوص وأكثر على ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتفقان على ما يفترض أن يحققه التنفيذ فعلياً. هذا السؤال، وليس توقيع أي وثيقة، هو ما سيحدد مسار الدوحة.
لأنه إذا استمرت كلتا الجهتين في العمل داخل معانٍ مختلفة للإطار نفسه، فإن ما يبدو دبلوماسية ليس سوى بنية أكثر هشاشة: نظامان متوازيان من التوقعات يتحركان داخل مساحة واحدة، إلى أن يصبح التباين بينهما غير قابل للإدارة.
الدبلوماسية قادرة على احتواء التناقض لفترة من الزمن. لكن عندما تبدأ الأطراف في تنفيذ الإطار ذاته بينما تختلف على الغاية منه، فإن النظام لا ينهار تدريجياً، بل يبدأ في التشقق والانقسام البنيوي.
وعند هذه المرحلة، لا يعود السؤال هو ما إذا كانت محادثات الدوحة ستنجح أو تفشل، بل ما إذا كانت واشنطن وطهران لا تزالان تشاركان في نفس المفاوضات من الأساس.