facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قراءة في مشروع قانون الإدارة المحلية: اصلاح ام تغول على الإرادة الشعبية؟


المحامي صخر نايف الصبيحي
02-07-2026 01:50 PM

لا يخفى على القراء، بمجرد تصفح مشروع القانون، الجهد الكبير المبذول من المشرع والجهات ذات العلاقة عند إعداد هذه المسودة. لما تحمله في طياتها من إصلاحات إدارية وتنظيمية ضخمة وجذرية يرقى تطبيقها إلى مصاف الدول المتقدمة، وبما يضمن تعديلاً وتغييراً جوهرياً للصلاحيات الممنوحة للمجالس البلدية ومرجعيات العمل الإداري في محافظات المملكة. وحيث إن لزاماً على المختصين الوقوف على مواد مشروع القانون تقويماً وتجويداً لسد الثغرات، فإن هذه القراءة التحليلية تهدف إلى فحص مساحات التشاركية في اتخاذ القرار بين الذراع التنفيذي المعين والمجلس البلدي الذي يمثل إرادة الشعب.

باستعراض المادة (11/أ) من مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، نجد أن المشرع قد أدخل نظاماً إدارياً مستحدثاً يُلزم البلديات بتعيين "مدير للبلدية" يترأس الجهاز الإداري والتنفيذي، بحيث يكون المرجع لدوائر البلدية والمسؤول عن حسن سير العمل فيها. والجدير بالذكر أن هذا المدير ينفرد بصفته "آمر الصرف المالي" في البلدية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا النظام مستمد من أنظمة عالمية ودولية حديثة تفصل بين "رسم الخطط والإستراتيجيات والسياسات" وبين "التنفيذ الفني والمالي" على أرض الواقع. إذ يمثل رئيس البلدية والمجلس البلدي المنتخب سلطة إقرار الموازنات والخطط الإستراتيجية والتنموية ومتابعة تنفيذها، وذلك استناداً لأحكام المادتين (5/أ/1) و(5/أ/7) من مسودة المشروع.

وعليه، فإن تفرد مدير البلدية بمنح الموافقة على الصرف الفعلي لتمويل هذه المشاريع وتنفيذ تلك الإستراتيجيات، يثير تخوفاً حقيقياً من احتمالية تغول البيروقراطية (المتمثلة بشخص المدير) على المجلس البلدي الذي يحمل الشرعية الشعبية والانتخابية.

فضلاً عن ذلك، فإنه إذا حددت الأنظمة اللاحقة والمكملة لمشروع القانون أن تعيين هذا المدير أو إنهاء خدماته يقع ضمن الصلاحيات الحصرية لوزارة الإدارة المحلية والوزير، فإن المدير بما لا يدع مجالاً للشك سوف يتعامل مع رئيس البلدية والمجلس المنتخب بندية خالصة.

كونه يستمد استقراره الوظيفي وقوته القانونية من الوزارة مباشرة وليس من سلطة المجلس المحلي. ونتيجة لذلك، قد يملك المدير القدرة على استخدام سلطته المالية في إبطاء أو تعطيل مشاريع تنموية أقرها المجلس البلدي أمام ناخبيه، متذرعاً بوجود "أولويات فنية" أو محددات للصرف، الأمر الذي يضع المجلس ورئيسه في موقف عجز وحرج بالغ أمام قواعدهم الانتخابية.

وبناءً على ما تقدم، يتضح وجود ضبابية وعدم وضوح في الحدود الفاصلة بين الصلاحيات الممنوحة للمدير وتلك الممنوحة لرئيس البلدية. إذ إن هذا الغموض التشريعي قد يدفع كلاً منهما إلى تفسير النصوص بطريقة تخدم مصالحه وبسط نفوذه. لذا، بات من الضروري والملح أن يستقر مشروع القانون على ترسيم خطوط فاصلة وقاطعة تبين أين تنتهي صلاحيات رئيس البلدية والمجلس في التوجيه والرقابة، وأين تبدأ صلاحيات المدير في التنفيذ الفني والصرف المالي على المشاريع والخطط والإستراتيجيات.

ومن جهةٍ أخرى، فإن الفجوة الأبرز تكمن في المفارقة التشريعية التي أوجدتها المسودة. ففي الوقت الذي منحت فيه المجلس البلدي صلاحية ومسؤولية إقرار الخطط والموازنات والمشاريع التنموية (استناداً للمادة 5)، نجدها قد أناطت بالمدير سلطة الصرف المطلقة ومنحته صفة "آمر الصرف" (بموجب المادة 11/أ).

وهنا يثور التساؤل الجوهري الذي يثبت هواجس الضبابية الحاصلة في مشروع القانون: في حال قام المجلس البلدي المنتخب بإقرار مشروع تنموي أو خدمي، وعند إحالته للتنفيذ، قرر المدير "الرفض"، وامتنع عن صرف المخصصات المالية للمشروع بحجة عدم قناعته الفنية أو بدعوى وجود أولويات أخرى للصرف، فما العمل في هذه الحالة؟

إن النص الحالي لمسودة مشروع القانون قد خلا تماماً من أي آلية واضحة لفض النزاعات، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى "من يملك الكلمة الأخيرة" في حال نشوء مثل هذا الصدام والخلاف الإداري والمالي بين السلطة الفنية المعينة والسلطة الشعبية المنتخبة، مما يهدد حتماً بتعطيل عمل البلديات وشل الحركة التنموية والمصالح اليومية للمواطنين.

إضافة إلى ما تقدم، هنالك بعض النقاط الجوهرية والخلل المالي الذي لا بد من أخذه بعين الاعتبار عند مناقشة مسودة مشروع القانون، وتتمثل بما يلي:

أولاً: نصت المادة (11/أ) من مشروع القانون على إلزامية تعيين مدير تنفيذي مستقل لكل بلدية على حدة. إن اعتماد وإقرار هذا النص بصيغته الحالية المطلقة من شأنه أن يشكل عبئاً إدارياً ومالياً خانقاً على البلديات المصنفة ضمن الفئتين (الثانية والثالثة). إذ إن الواقع العملي يشير إلى أن معظم موازنات هذه البلديات تستنزف أساساً كرواتب للموظفين، بحيث تتجاوز النسبة الحالية فيها السقف القانوني الذي حدده مشروع القانون نفسه في المادة (26/أ) والبالغ (40%) كحد أقصى لحجم الرواتب والعلاوات من إجمالي الموازنة.

ثانياً: مع التأكيد على أن غالبية المهام الخدمية المنوطة بهذه البلديات الصغيرة هي مهام بسيطة وتقليدية، فإنها لا تتطلب بالضرورة وجود كادر تكنوقراطي متخصص يتقاضى رواتب وامتيازات عالية إجمالاً، مما يعني أن إلزامية التعيين ستدفع هذه البلديات حتماً إلى مزيد من المديونية والوقوع في مخالفة صريحة لأحكام المادة (26/أ) منذ اليوم الأول لتطبيق القانون.

لكل ذلك، ومن وجهة نظري، وحتى تضمن الحكومة نجاح مشروع القانون هذا، لا بد من خلق بيئة تشاركية حقيقية توازن بين الكفاءة الإدارية المطلوبة في العمل البلدي والتمثيل الشعبي الديمقراطي فيها. لذا، فإنني أقترح إدخال بعض التعديلات التشريعية الجوهرية على مشروع القانون قبل إقراره، وتتمثل بـ:

• تعديل المادة (11/أ) لتنص على أن تصدر أوامر الصرف بتوقيعين مجتمعين ومشروطين (رئيس البلدية والمدير التنفيذي). وذلك لمنع تغول المدير وانفراده بالقرار المالي من جهة، وتفرد الرئيس بالصرف خارج الأطر الفنية والقانونية من جهة أخرى.

• النص صراحة على حق المجلس البلدي بأغلبية ثلثي أعضائه في التوصية بإعفاء أو إنهاء خدمات المدير التنفيذي بناءً على مؤشرات تقييم الأداء المعتمدة، لضمان بقاء المدير مرناً، ومتعاوناً مع رؤية المجلس البلدي ورئيسه المنتخبين.

• تعديل المادة (11) ليكون تعيين المدير إلزامياً وفورياً لبلديات الفئة الأولى فقط، بينما تمنح بلديات الفئتين الثانية والثالثة صلاحية خيار تكليف موظف داخلي كفؤ من الفئة الأولى (بموجب المادة 11/ج)، أو اللجوء إلى خيار "المدير التنفيذي المشترك" لعدة بلديات متجاورة (بالمحاكاة مع نموذج وحدة الرقابة المشتركة الوارد في المادة 34/ب/2) لترشيد النفقات وتحقيق كفاءة الإنفاق.

• تفعيل ومأسسة الأحكام الواردة في المادة (9/أ/7) والمادة (31). بحيث يتم دراسة وصياغة الموازنة السنوية بالتعاون والتشارك الإلزامي بين لجان الأحياء ورئيس البلدية (لتحديد المطالب وحصر الاحتياجات) وبحث إمكانية تنفيذها ضمن الرؤية السنوية للبلدية، على أن يقتصر دور المدير التنفيذي وجهازه الفني على الصياغة الرقمية الهندسية ودراسات الجدوى المالية وضبط الأدوار وفق المحددات القانونية والموازنات المتاحة. إن هذا الفصل المؤسسي للأدوار من شأنه أن يزيل فجوة الثقة تماماً أمام المواطنين، ويرفع الحرج الاجتماعي والسياسي عن كاهل رئيس البلدية والمجلس البلدي، محولاً العلاقة من صراع نفوذ إلى شراكة تنموية متكاملة.

إن نجاح مسودة قانون الإدارة المحلية لعام 2026 في الأردن مرهون بمدى مرونة النصوص وقدرتها على ضبط الحوكمة دون خنق الديمقراطية المحلية. المدير التنفيذي يجب أن يكون "ذراعاً فنية مساعدة وموجهة"، وليس رقيباً موازياً يملك سلطة التعطيل الفردي، حتى لا يتحول الإصلاح الإداري المستهدف إلى أزمة شلل تنفيذي وبيروقراطي داخل البلديات.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :