facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن سردية وطن لا رواية حدث


العميد م. ممدوح سليمان العامري
02-07-2026 03:11 PM

لا أنسى تلك الحادثة التي بقيت عالقة في ذهني حتى اليوم، فخلال دراستي لبرنامج ماجستير إدارة الاتصال الاستراتيجي في جامعة جنوب فلوريدا بين عامي 2011 و2013، كنت في إحدى الأمسيات متوجهاً إلى الجامعة، وأدرت مذياع السيارة على إحدى محطات الإذاعة العامة (NPR). كان البرنامج يبث استطلاعاً مباشراً مع المستمعين، ويطرح سؤالاً بسيطاً: من هو وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية؟

المفاجأة أن العينة التي شاركت، والتي ضمت نحو ثلاثين شخصاً، لم يعرف معظمهم - إن لم يكن جميعهم - الإجابة.

وصلت إلى الجامعة وأنا مستغرب من النتيجة، وطرحت الموضوع على زملائي في الدراسة، متوقعاً أن يشاركوا دهشتي، لكن المفاجأة كانت أكبر عندما سألني بعضهم بكل بساطة: "ومن هو وزير الخارجية أصلاً؟"

وقبل أن أجيب، أضاف أحدهم قائلاً:

"نحن لا نهتم كثيراً بمن يشغل هذا المنصب، لقد انتخبنا رئيساً، وهو مسؤول عن اختيار فريقه وإدارة الدولة، ما يهمنا هو النتائج التي تنعكس على حياتنا، لا أسماء المسؤولين."

في تلك اللحظة أدركت أنني لا أقف أمام حالة من الجهل السياسي كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل أمام ثقافة سياسية مختلفة تماماً.
ففي كثير من الديمقراطيات المستقرة، لا يُقاس وعي المواطن بعدد أسماء الوزراء الذين يحفظها، وإنما بقدرته على محاسبة القيادة المنتخبة على الأداء والنتائج. فالمواطن هناك يمنح صوته لبرنامج سياسي ورؤية للحكم، ثم يحمل الرئيس أو رئيس الوزراء المسؤولية الكاملة عن نجاح حكومته أو إخفاقها.

أما الانشغال اليومي بتفاصيل التعيينات والأسماء، فيظل شأناً يخص النخب السياسية والإعلامية والمهتمين بالشأن العام، وليس شرطاً لاعتبار المواطن واعياً أو مشاركاً في الحياة السياسية.

هذه التجربة دفعتني إلى إعادة التفكير في مفهوم الوعي السياسي ذاته، فهل الوعي يعني معرفة أسماء المسؤولين؟ أم يعني فهم آليات صنع القرار، وإدراك الحقوق والواجبات، والقدرة على تقييم السياسات العامة وآثارها على المجتمع؟

لقد تعلمت يومها درساً مهماً: إن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وعياً سياسياً، كما أن عدم معرفة اسم مسؤول لا يعني غياب المواطنة، فالوعي الحقيقي يقاس بمدى فهم المواطن لدوره في النظام السياسي، وقدرته على مساءلة السلطة عن الأداء والإنجاز، لا عن الأشخاص فقط.

ولعل هذا يفسر لماذا تركز الديمقراطيات الراسخة على بناء الثقة بالمؤسسات أكثر من بناء الولاء للأفراد، وعلى ترسيخ ثقافة المساءلة عن النتائج أكثر من الانشغال بالأسماء والمناصب. فالدول القوية لا تقوم على معرفة المواطنين بأسماء الوزراء، وإنما على وجود مؤسسات تعمل بكفاءة، وأنظمة مساءلة فعالة، ومواطن يدرك أن صوته في صندوق الاقتراع هو بداية المسؤولية، وليس نهايتها.

تذكرت تلك الحادثة عندما تابعت في الأيام الأخيرة النقاش الدائر حول تأهل المنتخب الوطني الأردني إلى نهائيات كأس العالم 2026، وما يتردد على ألسنة البعض من أن هذه المشاركة "ستُعرّف العالم بالأردن".

هذا الطرح - ودعوني هنا افترض حسن النية - يحتاج إلى شيء من التوقف.

فالعالم لا يُعرّف الدول بالطريقة التي نتخيلها أحياناً.

لقد عشت في الولايات المتحدة اثناء فترة الدراسة عندما كنت موفدا من القوات المسلحة الاردنية لشغل منصب مدير الإعلام للتحالف في تامبا فلوريد، واكتشفت أن ملايين الأمريكيين لا يعرفون حتى أسماء كبار المسؤولين في دولتهم، بمن فيهم وزير الخارجية. ليس لأنهم يعيشون في عزلة، بل لأن أولوياتهم مختلفة، ولأن اهتمامهم ينصب على ما يمس حياتهم اليومية أكثر من أسماء الأشخاص أو تفاصيل السياسة.

فكيف نتوقع أن يصبح مئات الملايين حول العالم فجأة خبراء بالأردن لمجرد أنهم شاهدوا مباراة لكرة القدم تستغرق تسعين دقيقة؟
الحقيقة أن الرياضة تمنح الدولة لحظة ظهور، لكنها لا تصنع معرفة مستدامة، ولا تبني صورة ذهنية راسخة بمفردها.

فالأردن ليس دولة مجهولة حتى ينتظر كأس العالم ليظهر على الخريطة.

الأردن وطنٌ ضاربة جذوره في أعماق التاريخ، قامت على أرضه حضارات متعاقبة، ويحتضن إرثاً إنسانياً وثقافياً ودينياً فريداً، من البتراء إلى وادي رم، ومن المغطس إلى جرش، وهو دولة تؤدي منذ عقود أدواراً سياسية وإنسانية وأمنية تتجاوز كثيراً حجمها الجغرافي والديمغرافي، كما أنه شريك فاعل في قضايا الإقليم والعالم، ومساهم رئيس في عمليات حفظ السلام الدولية، ويحظى بمكانة سياسية ودبلوماسية معروفة لدى صناع القرار في مختلف العواصم.

إنجاز المنتخب الوطني لا يتمثل في أنه "عرّف العالم بالأردن"، وإنما في أنه أضاف صفحة مشرقة إلى سجل الأردن، وقدم نموذجاً إيجابياً عن الإنسان الأردني؛ عن عزيمته، وانضباطه، وإصراره، وقدرته على المنافسة والوصول إلى العالمية.

وهنا يكمن الفرق بين التعريف بالدولة وتعزيز صورتها.

فالتعريف عملية تراكمية تصنعها السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم، والسياحة، والإعلام، والإنجاز العلمي، والقوة الناعمة بمختلف أدواتها.

أما البطولة الرياضية، فهي فرصة استثنائية لتأكيد هذه الصورة، وإضفاء بعد إنساني وشعبي عليها، لكنها ليست نقطة البداية.

ومن منظور الاتصال الاستراتيجي، فإن الحدث الرياضي ليس رسالة مكتملة، بل هو منصة اتصال. وقيمة المنصة لا تكمن في وجودها، وإنما في كيفية استثمارها. فإذا اكتفينا بالاحتفال بالمشاركة، انتهى أثرها بانتهاء البطولة. أما إذا أحسنّا توظيفها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة للترويج للأردن سياحياً وثقافياً واقتصادياً واستثمارياً، فإنها تتحول إلى رصيد دائم يضيف إلى الصورة الذهنية للدولة.

ولهذا، فإن أجمل ما حققه المنتخب الوطني ليس أنه جعل العالم يعرف الأردن، بل أنه منح الأردن فرصة جديدة ليُظهر للعالم جانباً آخر من قصة نجاحه؛ قصة شعب لا يتوقف عن صناعة الإنجاز، ووطنٍ كان معروفاً قبل المونديال، وسيبقى أكبر من أي بطولة، وإن كانت كل بطولة تضيف إلى رصيده صفحة جديدة من الفخر والاعتزاز.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :