facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نجاح السردية يقاس بهل سيشعر أن هذه الحكاية تشبهه فعلا؟


إحسان الفقيه
01-07-2026 09:26 PM

لماذا يحتاج الأردن إلى سرديته الآن يا إحسان ؟
سؤال يتكرر في صندوق الرسائل... وبالعادة لا أردّ على الرسائل خاصة إذا ألحّ عليّ صاحب الرسالة ...
ومع احترامي لكل من تناول هذا الموضوع، ومع يقيني أن في الأردن من هم أكبر مني مقاما، وأوسع علما، وأعمق خبرة، وأكثر التصاقا بهذا الملف؛ إلا أنني أكتب من موقع المواطنة لا من موقع الادعاء، ومن باب المحبة لا من باب المزايدة.

لماذا يحتاج الأردن إلى سرديته الآن؟!
لأن الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة ما.. أو معارك... بل حين تفقد روايتها....
فالتاريخ لا يكتبه دائما من صنع الحدث، بل كثيرا ما يكتبه من امتلك القلم وامتلك أدوات التأثير بمعزل عن المُموّل لتلك الأدوات أو عن دافع التمويل...

ومع مرور الزمن، تتحول الرواية إلى حقيقة في أذهان الناس، حتى لو كانت ناقصة أو مجتزأة أو ظالمة...
لهذا لم تعد السردية الوطنية تَرفا ثقافيّا، ولا مشروعا أكاديميا معزولا، بل أصبحت إحدى أدوات الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين.

واليوم، لم يعد الصراع على الأرض وحدها، بل على الذاكرة أيضا.

فكل أمة لا تكتب قصتها بنفسها، سيكتبها غيرها...
وكل شعب يتأخر في تعريف نفسه، سيتولى الآخرون تعريفه بما يخدم مصالحهم، لا بما يعكس حقيقته....
والأردن ليس استثناءً....

فهو بلد يقع في أكثر مناطق العالم ازدحاما بالتاريخ، وأكثرها تعرُّضا للصراعات، وأكثرها إنتاجا للروايات المتنافسة.

وفي مثل هذا المكان، لا يكفي أن تكون الدولة موجودة... بل يجب أن تكون حاضرة في الوعي.

لكن السردية التي يحتاجها الأردن ليست حملة علاقات عامة، ولا نشرة دعائية، ولا قصيدة مديح فارغة المعنى والأصالة ولا وصلة تزلّف ولا دبكة على إيقاع التزييف والتطبيل..

فالسردية التي تقوم على المُبالغة تنهار أمام أول باحث، والتي تقوم على إخفاء الأسئلة تنهار أمام أول جيل يبحث عن الحقيقة.....

أما السردية التي تبقى، فهي التي تملك شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الاحتفاء...

هي التي تقول للأردنيين:
هذا وطنكم كما هو...
بتعبه قبل إنجازاته ..
وبصعوبته قبل نجاحاته..
وبأخطائه كما بفضائله....

لأن حب الوطن لا يبدأ من تزيينه، بل من معرفته.

ولا يعني ذلك أن تتحول السردية إلى جلد للذات، فالأمم التي لا ترى إلا أخطاءها تفقد ثقتها بنفسها، كما أن الأمم التي لا ترى إلا أمجادها تفقد صلتها بالواقع.

إنما المطلوب هو التوازن؛ أن تُروى الحكاية كاملة، لا نصفها يا قوم ...

ولعل السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتاج إلى سردية أردنية؟
بل:
لماذا نحتاج أن يكتب الآخرون عنا قبل أن نكتب نحن عن أنفسنا؟

ولماذا نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي، أو الخصومات السياسية، أو الانطباعات المُرتبطة بمواقف محددة، أن تختزل وطنا عمره آلاف السنين في خبر، أو إشاعة، أو أزمة اقتصادية، أو خذلان غير مقصود لحدث صعب فوق طاقة الإمكانات والقدُرات المُتاحة؟

إن السردية الوطنية ليست دفاعا عن حكومة، ولا عن مرحلة، ولا عن مسؤول، ولا حتى عن رموز نُجلّها ونحترمها، وقد تأخذنا الرهبة أو الحنين حين نرى وجوههم وقد خطّ الزمن عليها تعب المراحل، أو نسمع أصواتهم المُتهدجة وهي تستعيد أسماء المدن والقرى والرجال والمواقف.

فهؤلاء، مهما اختلفنا معهم أو حولهم، ليسوا مجرد أسماء في نشرات الأخبار أو في عناوين الصُحف، ولا مقاعد عبرت في الحكومات، ولا وجوها التقطتها الكاميرات حين وصلوا إلى السلطة. ..
إنهم شهود على زمن، وحَمَلة لذاكرة، وأبناء تجربة أردنية طويلة، فيها الصواب والخطأ، وفيها الاجتهاد والخصومة، وفيها ما يستحق النقد وما يستحق الوفاء.

قد نختلف في السياسة، وقد نراجع القرارات، وقد نقسو على الأداء العام، وهذا حق وواجب....
لكن الاختلاف لا ينبغي أن يسلب الناس وطنيتهم، ولا أن يمحو من الذاكرة سنوات بذلوها في خدمة بلد ظل، رغم قلة موارده وثقل جواره، يحاول أن يبقى واقفًا.

ففي الأوطان الناضجة لا يتحول الخلاف إلى محو، ولا يتحول النقد إلى إهانة، ولا تصبح الذاكرة محكمة انتقام...
نستطيع أن نقول: أخطأ فلان، واختلفنا مع فلان، ولم نقبل موقف فلان، دون أن نكسر كل ما يمثله ذلك الجيل من تجربة وطنية ووعي بالدولة وشعور عميق بمعنى الأردن.

السردية الوطنية في جوهرها ليست تبرئة لأحد، ولا محاكمة لأحد، بل إنصاف للذاكرة. ...
وهي لا تطلب منا أن نتفق على الأشخاص، بل أن نعترف بأن حب الوطن قد يجمع أناسا اختلفوا في الطريق، وتباينوا في الرأي، وتزاحموا في المواقف، ثم ظل الأردن هو النقطة التي يعودون إليها جميعا.

فالحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، أما الأوطان فلا يجوز أن تُترك بلا قصة تجمع أبناءها، وتفسر لهم كيف وصلت بلادهم إلى ما هي عليه، وما الذي يجمعهم رغم اختلاف مشاربهم، وما المسؤولية التي يحملها كل جيل تجاه الجيل الذي يليه.

ولهذا، فإن نجاح السردية الأردنية لن يقاس بعدد الندوات التي تعقد، ولا بعدد الكتب التي تطبع، بل بالسؤال الأصعب:

هل سيشعر الأردني، بعد قراءتها، أنه عرف وطنه أكثر؟
وهل سيشعر أن هذه الحكاية تشبهه فعلا؟
فإذا كانت الإجابة نعم... فقد نجح المشروع....

وإن كانت مجرد كلمات جميلة لا يرى الناس أنفسهم فيها، فلن تكون إلا وثيقة أخرى تضاف إلى الأرشيف....





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :