facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن أكبر من مباراة .. فهل نكون بحجمه؟


هيفاء الخريشا
01-07-2026 01:32 AM

في أسابيع قليلة، عرف العالم الأردن بطريقة ربما لم يعرفه بها من قبل.

عرفه بمنتخبٍ كتب صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم الأردنية، وبلاعبين أبهروا العالم في أول مشاركة لنا على هذا المسرح العالمي، وبجمهورٍ ملأ المدرج الروماني في قلب عمّان، تحت حجارةٍ شهدت حضارات تمتد لأكثر من ألفي عام، يهتف باسم الأردن بكل ما فيه من فخر. وعرفه أيضاً بجمهورٍ نظّف المدرجات بعد المباريات، وبشعبٍ احترم منافسيه و مستضيفيه قبل أن يحتفل بنفسه.

بدا وكأن الأردن كله يقول للعالم: هذه أخلاقنا... وهذا الأردن الذي نعرفه.

ثم انتهت المباريات...

وبدأ امتحان آخر.

امتحان لم يكن في كرة القدم، بل في أخلاقنا.

هذه ليست مقالة للدفاع عن يزيد أبو ليلى.

ولا هي محاولة لإنكار حقيقة أن أداءه لم يكن في أفضل حالاته في بعض المباريات.

إنها محاولة للدفاع عن شيء أكبر بكثير...

عن ذاكرتنا.

وعن وفائنا.

وعن الطريقة التي نعامل بها الغريب قبل القريب من أبناء بلدنا عندما يتعثرون.

في لحظة واحدة، نسي كثيرون أن يزيد أبو ليلى كان أحد أهم الأسباب التي أوصلتنا إلى كأس العالم.

نسينا أن التصديات التي صنعت الحلم لا تقل قيمة عن الأهداف التي احتفلنا بها.

ونسينا أن هذا الفريق لم يولد في ليلة، بل بُني عبر سنوات من العمل، والخيبات، والإصرار، والانتصارات، والانكسارات و الظروف الصعبة.

افتقد المنتخب في البطولة أسماءً مؤثرة بسبب الإصابة، وفي مقدمتهم يزن النعيمات، شافاه الله، و الذي كان غيابه ضربة فنية كبيرة اضطر المنتخب لأن يبحث عن طريقة لملء الفراغ الذي تركه.

لكن كان هناك غياب آخر...

غياب لم تصنعه إصابة في الركبة، ولا تمزق في العضلة.

بل صنعناه نحن.

لا أشك أن يزيد دخل البطولة سليماً في جسده...

لكنه خرج منها مثقلاً في روحه.

أخرجناه من المباراة، وأدخلناه إلى رأسه.

أضعفنا ثقته بنفسه.

وحولنا لاعباً حمل أحلام وطن إلى مادة للتنمر، حتى امتدت الإساءات إلى عائلته.

أي انتصار هذا الذي يجعل طفلة تدفع ثمن مباراة؟

نعم...

لقد واجه يزيد ميسي.

لكن من وقف أمامه لم يكن مجرد لاعب كرة قدم.

كان يقف أمام ظاهرة رياضية ألهمت أجيالاً كاملة، وربما أمام اللاعب الذي كان هو نفسه يشاهده بإعجاب منذ طفولته.

كان يقف وسط مدرجات غلب عليها تشجيع المنافس.

وكان يحمل على كتفيه اسم الأردن، لا اسم نادٍ يخسر اليوم ويعوّض غداً.

وقبل أن نتسابق في شرح كيف كان يجب أن يقف، أو يقفز، أو يغلق الزاوية، أو يخرج من مرماه...

فلنسأل أنفسنا سؤالاً أبسط.

كم واحداً منا يستطيع احتمال هذا الضغط؟

كم واحداً منا يستطيع أن يمثل وطنه أمام مئات الملايين من البشر؟

كم واحداً منا يستطيع أن يواجه أحد أعظم اللاعبين في التاريخ، في أكبر بطولة على وجه الأرض، بينما يشعر أن خطأً واحداً قد يطارده سنوات؟

الحقيقة أن معظمنا لا يحتمل يوماً سيئاً في العمل.

ولا أزمة سير.

ولا تعليقاً جارحاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

فكيف بمن يحمل أحلام وطن بأكمله على كتفيه في لحظة تاريخية ؟

في الرياضة الحديثة، لم تعد الموهبة وحدها تصنع الأبطال.

اليوم، تمتلك المنتخبات الكبرى فرقاً كاملة من علماء النفس الرياضي، وخبراء الأداء الذهني، والمتخصصين في السلوك.

يعلمون اللاعبين كيف يفصلون بين الخطأ وبين هويتهم.

كيف لا يسمحون لهدف أن يهزم مباراة كاملة.

ولا لمباراة أن تهزم مسيرة كاملة.

ويعلمونهم أيضاً كيف ينزعون عن الخصم هالة الأسطورة.

فميسي، مهما بلغت عظمته، يبقى لاعب كرة قدم. أعسر القدم.
له نقاط قوة، وله نقاط ضعف.

ويمكن مواجهته.

أما نحن...

فنحن أيضاً بحاجة إلى هذا الدرس.

ليس كلاعبين...

بل كمجتمع.

أن نتعلم ألا نختزل إنساناً في لحظة.

وألا نمحو تاريخاً بسبب هفوة.

وألا ننسى الجميل لأن ذاكرتنا كانت غاضبة.

المؤلم ليس أن يزيد تعثر.

المؤلم أننا تعثرنا معه.

تعثرنا حين نسينا فضله.

وتعثرنا حين جعلناه مادة للسخرية و للهدم.

وتعثرنا أكثر حين ظننا أن النقد يبيح إهانة إنسان، أو أسرته، أو طفلته.

لقد فرحت، كما فرح كل أردني، باحتفالات المنتخب.

لكنني شعرت أيضاً بشيء من الحزن.

حزنت لأنني لم أرَ كل الذين صنعوا هذا الإنجاز يحتفلون به.

حزنت على المصابين الذين حُرموا من عيش حلم كأس العالم داخل الملعب.

وحزنت أكثر على لاعب نأى بنفسه عن العودة، كفا عن الاذى.

لطالما قلنا إن الأردن ليس بلداً غنياً بالنفط...

بل غنياً بالناس.

فلنثبت ذلك.

لأن قيمة الناس لا تظهر عندما نصفق لهم وهم ينتصرون.

بل عندما نقف إلى جانبهم وهم يتعثرون.

نحن الذين نفاخر بالشهامة.

وبالمروءة.

وبالوفاء.

ونفاخر بأننا نغيث الغريب، ونفتح له بيوتنا وقلوبنا.

لكن لماذا نقسو على بعضنا أكثر مما يقسو علينا الغرباء؟

لماذا يبدو أجمل ما فينا موجهاً إلى العالم، بينما نحتفظ بأقسى ما فينا لبعضنا؟

كيف نكون الشعب الذي ينظف مدرجات الملاعب في الخارج، ثم يرمي النفايات في شوارعه و منتزهاته ؟
كيف نفرح عندما يمتدحنا العالم، ثم نحطم مرافقنا العامة، ونكسر كل ما بُني لنا، ثم نعود لنشتكي؟

وكيف أصبحنا نتنافس في كسر بعضنا البعض كما نكسر مرافق في حديقة عامة تم إنجازها بوقت قياسي من قبل الحكومة؟؟

وأنا أشاهد الجماهير الأردنية تحتشد في المدرج الروماني في قلب عمّان، لم أفكر فقط بعظمة المكان و جمال المنظر …

بل تذكرت أيضاً أن المدرجات الرومانية كانت يوماً مكاناً تحدد فيه الجماهير مصير إنسان برفع الإبهام أو خفضه- حسب مزاج هذا الجمهور في تلك اللحظة دون أن تعرف شيئاً عن حياته، أو تاريخه، أو ما سيحدث له بعد تلك اللحظة.

لكننا لسنا أولئك الناس.

وليس هذا الأردن الذي أعرفه.

يزيد سيستعيد ثقته.

كما يفعل الرياضيون الكبار.

والمنتخب سيعود.

وسيكون أقوى.

وأكثر خبرة.

وأفضل استعداداً، فنياً وذهنياً.

لكن السؤال الذي سيبقى بعد أن تُطوى صفحات هذه البطولة ليس ماذا فعل يزيد...

بل ماذا فعلنا نحن؟

لأن الأوطان لا تُقاس بمباراة او كأس . فلنكن على قدر الأردن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :