التاجر الذي أعاد تعريف قوة الجنرال
سمير حمدان - بودابست
01-07-2026 01:34 AM
لم يعد النصر في الحروب يقاس بما تحققه الجيوش في الميدان وحده، بل بما تستطيع الدولة المحافظة عليه بعد انتهاء القتال، فقد تحقق دولة تفوقًا عسكريًا سريعًا، ثم تجد نفسها أمام أسواق أكثر حذرًا، واستثمارات مؤجلة، وشركات تعيد حساباتها، وأسعار طاقة تتغير خلال ساعات، عندها يتغير معنى القوة، لأن الانتصار الذي يرهق الاقتصاد قد يتحول إلى عبء يحد من قدرة الدولة على حماية مكاسبها، ومن هنا لم يحل التاجر مكان الجنرال، لكنه أصبح شريكًا في رسم حدود القوة، بعدما فرض على القرار العسكري سؤالًا لم يكن حاضرًا بالوضوح نفسه في الماضي، وهو، هل تستطيع الدولة تحمل كلفة ما تريد تحقيقه .
لسنوات طويلة كان الاعتقاد السائد أن الجيوش تصنع الأمن، ثم يأتي الاقتصاد ليجني ثماره، أما اليوم فقد أصبحت العلاقة أكثر تداخلًا، فالاقتصاد لم يعد ينتظر نهاية الصراع حتى يصدر حكمه، بل أصبح حاضرًا منذ اللحظة الأولى، يحدد ما تستطيع الدولة تمويله، وما ينبغي عليها تجنبه، ولذلك لم تعد الحكومات تقيس قوتها بحجم ترسانتها العسكرية فقط، بل بقدرة اقتصادها على الصمود، وحماية عملتها، والحفاظ على ثقة المستثمرين، وضمان استمرار التجارة، لأن الحرب التي تستنزف الموارد قد تجعل كلفة الانتصار أكبر من قيمته، حتى لو انتهت بنتيجة عسكرية واضحة، فالقوة التي لا تستطيع الدولة تمويلها تتحول مع الوقت إلى عبء عليها، بدل أن تكون مصدرًا لاستقرارها .
ويظهر هذا التحول بوضوح في الشرق الأوسط، حيث لم تعد أي مواجهة عسكرية تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، فتعطيل ممر بحري، أو تهديد منشأة للطاقة، أو إرباك طريق تجاري، لا يربك دولة واحدة، بل يمتد أثره إلى حركة الشحن، وأسعار السلع، وقرارات الاستثمار في مناطق بعيدة عن ساحة الصراع، والأسواق لا تنتظر تفسيرًا سياسيًا، بل تستجيب للمخاطر فور ظهورها، ولهذا أصبحت الحرب حدثًا اقتصاديًا بقدر ما هي حدث عسكري، وأصبح الاستقرار جزءًا من معادلة الأمن، لا نتيجة تأتي بعده .
ولهذا أعادت دول المنطقة النظر في مفهوم القوة، فإيران تدرك أن اتساع نفوذها يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويله والاستمرار في دعمه، وإسرائيل تعرف أن تفوقها العسكري لا يعفيها من كلفة أي اضطراب اقتصادي طويل، بينما اختارت دول الخليج بناء نفوذ يقوم على الاستقرار، والانفتاح الاقتصادي، وجذب الاستثمار، لأن الاقتصاد المرتبط بالعالم يمنح الدولة وزنًا يصعب تجاوزه، ويجعل الحفاظ على استقرارها مصلحة مشتركة لشركائها، لا مصلحة محلية فحسب .
وانعكس هذا التغيير أيضًا على قيمة الجغرافيا، فلم يعد الموقع يمنح الدولة نفوذًا بمجرد وجوده، بل بما يؤديه من دور، فالميناء الذي يعمل بكفاءة أكثر قيمة من ميناء يتعطل باستمرار، والممر البحري الآمن أكثر أهمية من موقع يفتقد الاستقرار، ولهذا أصبحت الجغرافيا تقاس بوظيفتها الاقتصادية، لا بمساحتها، وأصبحت قدرة الدولة على إدارة موقعها أهم من الموقع نفسه، لأن العالم يكافئ من يحافظ على تدفق التجارة أكثر مما يكافئ من يعرقلها .
ويقدم لبنان مثالًا واضحًا على هذه الحقيقة، فموقعه الجغرافي لم يتغير، لكن قيمته الاقتصادية تراجعت عندما ضعفت مؤسساته، وتراجعت الثقة، وفقدت مرافقه الحيوية جزءًا كبيرًا من كفاءتها، وهذا يؤكد أن الجغرافيا لا تتحول إلى نفوذ تلقائيًا، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقرة، وإدارة كفؤة، واقتصاد قادر على تحويل الموقع إلى قيمة مضافة، يستفيد منها المستثمر، ويثق بها الشريك التجاري، وتنعكس على مكانة الدولة في محيطها .
ولا تبدو المنطقة اليوم متجهة إلى سلام طويل، كما أنها لا تبدو راغبة في حرب مفتوحة، بل تعيش بين الاحتمالين، حيث يقترب الجميع من حافة التصعيد، ثم يتراجعون قبل تجاوزها، ليس لأن الإرادة العسكرية تراجعت، بل لأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من أي وقت مضى، ولم تعد الحكمة تقاس بعدد المعارك التي تُخاض، بل بالقدرة على تحقيق الأهداف من دون إنهاك الاقتصاد أو تقويض فرص النمو والاستقرار .
في النهاية، لم ينتصر التاجر على الجنرال، ولم يفقد الجنرال مكانته، لكن العلاقة بينهما تغيرت، فلم تعد القوة تقاس بما تستطيع الدولة أن تدمره، بل بما تستطيع أن تحافظ عليه، ولم يعد النفوذ يقاس بحجم الترسانة وحدها، بل بقدرة الدولة على الجمع بين الأمن والاقتصاد والاستقرار، لأن الحروب قد تمنح انتصارًا عسكريًا، أما المستقبل فلا تمنحه إلا القدرة على تحويل ذلك الانتصار إلى ازدهار دائم، فالدول التي تحمي اقتصادها هي وحدها القادرة على حماية قوتها .