حين يسقط الوهم… لا يسقط الوطن
د. محمد كامل القرعان
03-07-2026 11:26 AM
في مراحل مختلفة من الحياة السياسية، جرى تسويق بعض الأشخاص بوصفهم شخصيات وطنية وازنة، ورموزًا للنزاهة والمكاشفة والإصلاح، وفُتحت لهم الأبواب على مصراعيها، وصُنعت لهم المنصات، وقُدِّموا للرأي العام باعتبارهم مشروع المرحلة القادمة.
لكن الزمن، وهو المعيار الأصدق، كشف أن بعض هذه النماذج لم تكن على قدر التوقعات. فتراجعت صورتها أمام الرأي العام، وأثبتت التجربة أن صناعة الصورة الإعلامية لا تصنع قائدًا، وأن الدعم وحده لا يصنع رجل دولة. فالمناصب، بما فيها الحقائب الوزارية والمواقع القيادية، ليست شهادة نجاح بحد ذاتها، وإنما يبقى الإنجاز والكفاءة والنزاهة وحسن الإدارة هي المعيار الحقيقي للحكم على التجارب.
إن ما شهدته الساحة السياسية خلال السنوات الماضية يستوجب مراجعة وطنية جادة لآليات صناعة المشهد السياسي واختيار القيادات، بعيدًا عن صناعة النجوم المؤقتة، وباتجاه تمكين شخصيات وطنية أثبتت كفاءتها وأخلاقها ونزاهتها، وتحمل رؤية واضحة، وتؤمن بأن خدمة الأردن مسؤولية وطنية وليست وسيلة للوجاهة أو الظهور الإعلامي.
وأتمنى أن تكون المرحلة المقبلة بداية حقيقية للخروج من عباءة التعيينات التي تقوم على المعرفة الشخصية أو الصداقة أو العلاقات الضيقة، والانتقال إلى ترسيخ معايير الجدارة والاستحقاق والشفافية، بحيث يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز. فالوظيفة العامة العليا، سواء كانت حقيبة وزارية، أو موقع سفير، أو أمين عام، أو مدير عام، أو أي موقع قيادي آخر، ليست حكرًا على أسماء بعينها، بل هي حق لكل أردني وأردنية يمتلكان الكفاءة والاستحقاق والقدرة على تحمل المسؤولية.
الأردن لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل يزخر بقيادات وطنية مشهود لها داخل الوطن وخارجه. ويكفي أن ننظر إلى ما حققه الأردنيون في مختلف دول العالم لندرك أن لدينا من العقول والخبرات ما يمكّننا من بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتجربة سياسية أكثر نضجًا وفاعلية، إذا أُحسن الاختيار ووُضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
لقد أثبتت التجارب أن حسن الاختيار هو أساس نجاح المؤسسات، وأن أي خلل في معايير التعيين ينعكس على الأداء العام ويؤثر في مصالح الوطن والمواطن. لذلك فإن ترسيخ مبادئ الجدارة والاستحقاق ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية تفرضها المرحلة، وتعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وتسهم في تحقيق الرؤية الملكية لبناء دولة قوية وحديثة وقادرة على الإنجاز.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رجال ونساء دولة حقيقيين، يحملون همّ الأردن، ويعملون بإخلاص لترجمة التوجيهات الملكية إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، بعيدًا عن الشعارات والضجيج الإعلامي.
وأخيرًا، إلى الجهات التي بالغت في تقديم بعض النماذج وصناعتها باعتبارها مشروع المرحلة، فإن التجربة كانت الحكم، والنتائج هي الفيصل. وما نأمله اليوم هو أن تكون الدروس قد استوعبت، وأن يكون الرهان مستقبلًا على أصحاب الكفاءة والإنجاز، لا على صناعة الصورة أو النفوذ أو العلاقات. فالأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من كل التجارب، ويستحق أن يقوده الأكفأ والأقدر على خدمته وخدمة أبنائه.