بين ضجيج المنصات وصمت المنابر .. هل بدأت خيوط المشهد تتفكك في حكومة حسان؟
حاتم القرعان
04-07-2026 02:57 PM
في الدول القوية، لا تُقاس هيبة السلطة فقط بما تمتلكه من أدوات القرار، بل بما تحسن إدارته من روايةٍ للأحداث. فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو الجسر الذي تعبر عليه الحقيقة إلى الناس، وهو السد الذي يقف في وجه الشائعات عندما تعصف رياحها. أما حين يتراجع الصوت الرسمي، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً، بل يتحول إلى ساحةٍ تتسابق إليها التأويلات، وتتصارع فيها الروايات، حتى يصبح المواطن واقفاً على مفترق طرق لا يدري أيها يقوده إلى الحقيقة وأيها يقوده إلى الوهم.
اليوم، لا يعيش الأردني أزمة معلومات بقدر ما يعيش أزمة يقين. فكلما فتح هاتفه وجد رواية، وكلما انتقل إلى منصة أخرى وجد رواية مغايرة، حتى غدت الحقيقة كنجمةٍ تختبئ خلف غيوم كثيفة، يراها البعض ويقسم آخرون أنها غير موجودة.
دولة الرئيس جعفر حسان... إن المواطن لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر أن يسمع الحقيقة من حكومته قبل أن يسمعها من صفحات مجهولة أو حسابات لا يعرف لها وجهاً ولا مسؤولية. فالدولة التي تبادر إلى الحديث، تسبق الإشاعة بخطوة، أما الدولة التي تصمت، فإنها تمنح الإشاعة مساحةً لتكبر حتى تصبح عند البعض حقيقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين وزير الدولة لشؤون الإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة؟ وأين الإيجاز الرسمي الذي يبدد الحيرة ويغلق أبواب الاجتهادات؟ إن مهمة الإعلام الحكومي ليست أن يتحدث عند الإنجازات فقط، بل أن يكون حاضراً عندما يشتد الجدل، وأن يضع النقاط على الحروف عندما تختلط الأوراق.
ولعل ما يتعرض له الوزير البكار خير مثال على ذلك. فهناك سيل من الاتهامات، يقابله دفاع من آخرين، وبين هذا وذاك يقف المواطن حائراً؛ لا يعلم أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الظلم. ولسنا هنا في مقام إدانة أحد أو تبرئته، وإنما في مقام المطالبة بأن تكون الحقيقة ملكاً للرأي العام، تصدر عن الجهات الرسمية بوضوح وشفافية، حتى لا يبقى الناس أسرى الإشاعات ولا ضحايا حملات قد يكون بعضها قائماً على وقائع، وقد يكون بعضها الآخر مبنياً على الظنون.
وفي المقابل، لا يجوز أن تُختزل صورة الحكومة في الجدل الدائر حول بعض الملفات، فهناك وزراء يعملون بصمت، ويحققون نتائج تستحق الإشارة إليها. ومن بين هؤلاء وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى، التي قادت ملفات الحماية الاجتماعية، وعملت على تطوير الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، وتعزيز التحول من الدعم التقليدي إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب دعم خدمات الطفولة وتمكين المرأة وتطوير الخدمات الرقمية في القطاع الاجتماعي، وهي خطوات تأتي ضمن مسار التحديث الذي تتبناه الحكومة.
إن الحكومات لا تُقاس بخلوها من الأخطاء، وإنما بسرعة استجابتها، ووضوح خطابها، وقدرتها على طمأنة الناس. فالكلمة الصادقة قد تطفئ ناراً، والصمت قد يشعل حقولاً كاملة من الشكوك.
ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع قبل أن يُكتب في المقالات: هل ما يجري مجرد عاصفة عابرة ستتجاوزها حكومة جعفر حسان، أم أن عقد السبحة بدأ يتراخى، لتتناثر حباتها الواحدة تلو الأخرى؟ الإجابة ليست في أروقة مواقع التواصل الاجتماعي، بل في قدرة الحكومة على استعادة زمام المبادرة، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، لأن الثقة إذا حضرت صمتت الشائعات، وإذا غابت، ارتفع صوت كل من يملك هاتفاً أكثر من صوت المؤسسات.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.