لماذا يشجع العرب والمسلمون أي فريق كرة قدم ضد الدول الاستعمارية؟
د. عمر الرداد
04-07-2026 03:07 PM
ربما لا تتوفر فرصة حقيقية لقياس الرأي العام العالمي وخاصة لجهة العرب والمسلمين، كالفرصة التي توفرها ردود الفعل على بطولة كأس العالم، ففي كل بطولة يظهر مشهد متكرر في المدرجات والمقاهي العربية، جمهور عربي أو مسلم يشجع بحماس أي فريق يواجه دولة استعمارية سابقة،والمؤكد ان هذه الظاهرة ليست مجرد عاطفة رياضية عابرة، محكومة باداءات الفرق الرياضية فقط،بل انها ظاهرة تعكس ذاكرة تاريخية وسياسية متجذرة في الوعي الجمعي، تعرف الاوساط الاكاديمية ب"السرديات الكبرى".
لقد ارتبطت كرة القدم،خارج كونها لعبة رياضية، بمسكوت عنه عميق في عقولنا، مرتبط بالهوية الوطنية والتنافس بين الدول، وفي عالمنا العربي والإسلامي، حيث ترك الاستعمار بصماته العميقة على المجتمعات والحدود والاقتصاد، تحولت الرياضة إلى مساحة رمزية تمارس من خلالها الشعوب مقاومة الماضي الاستعماري، فتشجيع أي فريق ضد امريكا او فرنسا أو بريطانيا ، هو تشجيع وتضامن مع التاريخ المقاوم، وكأن المباراة معركة جديدة يمكن من خلالها الثأر الرمزي، من الاستعمار القديم والجديد.
لا شك ان الذاكرة الجمعية للعرب والمسلمين متخمة بتجارب مع الاستعمار،يعتبرها كثيرون مسؤولة عن خراب الاوطان، ومعيقا في تقدمها، فهذه الذاكرة تسيرها عناوين: تقسيم الأراضي، نهب الموارد، ومحاولات طمس الهوية،تنتقل عبر الأجيال في الكتب المدرسية، في الحكايات الشعبية، وفي الخطاب السياسي والإعلامي، وهي ترى ان الاستعمار القديم تم انتاجه بصيع جديدة، وعندما يلتقي فريق من دولة استعمارية بفريق آخر، يستحضر المشجع العربي كل تلك الانساق، ويفجرها بحنجرته،فيجد نفسه تلقائياً في صف "الآخر" الذي يواجه المستعمر السابق،وقد سألت نفسي غير مرة لماذا اشجع الرأس الأخضر تلك الدولة التي لم اسمع بها الا بهذه البطولة،ولماذا اشجع غانا والاكوادور ضد اي فريق اوروبي؟
والجواب ببساطة يكمن في تلك النزعة التضامنية العميقة القارة في عقولنا، فالعربي أو المسلم قد يشجع فريقاً من أميركا اللاتينية أو إفريقيا فقط لأنه يرى فيه ممثلاً لعالم منهوب تعرض للاستعمار، أي للكتلة التي عانت مثل معاناته من الاستعمار والهيمنة، وهنا يصبح التشجيع موقفاً سياسياً وأخلاقياً أكثر منه رياضياً، حيث تتحول المباراة إلى ساحة رمزية للصراع بين "المستضعفين" و"المستكبرين".،وربما ما يؤكد صحة ذلك أننا قد نكون معجبين بلاعبين مميزين في فرق واندية رياضية في أوروبا" يامال، امبابي، رونالدو، ...الخ" لكننا نتخذ موقفا آخر حينما يلعبون مع منتخبات بلدانهم.
وفي الخلاصة، ووفقا لمقاربات علم النفس الاجتماعي، فإن المؤكد ان تشجيع العربي والمسلم لأي فريق ضد الدول الاستعمارية ليس مجرد نزوة جماهيرية، بل هو فعل رمزي يعكس تداخل الرياضة بالسياسة والذاكرة التاريخية، انه التعبير المتاح عن رفض الهيمنة وعن الرغبة الدفينة التي لم تمت، مثل بذرة فرعونية، في إعادة الاعتبار، ولو من خلال المدرجات او تسمرنا امام شاشات التلفاز، حتى كانت المباراة بوقت متأخر من الليل، فتتحول الهتافات إلى شكل من أشكال المقاومة الثقافية، في هذه المساحة يجد المشجع العربي نفسه جزءاً من معركة رمزية طويلة ضد إرث الاستعمار.