facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو تقنين خاص لتعارض المصالح قراءة في الدستور والتجارب المقارنة


د. مهند صالح الطراونة
04-07-2026 03:21 PM

تعتبر حماية النزاهة والحياد في مباشرة الوظيفة العامة أحد أهم مظاهر سيادة القانون، وأحد الشروط اللازمة التي تنحل بدونها ثقة المخاطبين في قرارات الإدارة ، ومن أهم مظاهر الحياد تجنب تعارض المصالح للموظف بشكل عام وللمسؤول بشكل خاص.

وللتأصيل الأمر من الناحية الدستورية أشير أن الأصل فى النصوص الدستورية أنها تتكامل مع بعضها لتجمعها وحدة عضوية تضم أجزاءها،وتوحد بين قيمها، فلا تنعزل عن محيطها، ولا ينظر إلى بعضها استقلالاً عن سواهــا، متى كان ذلــك، وكان الدستور الأردني قد خلا من نص صريح ينظم تعارض المصالح، إلا أن ذلك لا يعني خلوه من الاساس التنظيمي الذي يلزم المشرع ان يتناوله بالتنظيم حيث انه وبإستظهار نصوص الدستور وجد أنها أفردت لهذا المبدأ إلتزاماً ُيستمد إبتداءً من نص المادة (6/أ) من الدستوروالتي أبانت أن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات، وأن تكافؤ الفرص حق تكفله الدولة، ومن ثم ليس من المتصور دستورياً أن يتحقق مبدأ المساواة أو تكافؤ الفرص إذا أُجيز لمن يشغل الوظيفة العامة أن يجعل من سلطته وسيلة لتحقيق مصلحة خاصة، أو أن يؤثر مركزه القانوني في المنافسة الاقتصادية أو في منح الامتيازات أو اتخاذ القرارات الإدارية، باعتبار أن جوهر المساواة تلك التي ُتفضي إلى حيدة القرار وتجرده من الاعتبارات الشخصية، بحيث يكون مناطه الوحيد تحقيق الصالح العام وخدمة المرفق العام .

كما أن نص المادة(22) من الدستوروالذي يتضمن أن "التعيين للوظائف العامة.... يكون على أساس الكفايات والمؤهلات، وهو مايفيد إرساء قاعدة مؤداها أن الوظيفة العامة تكليف وأمانة وليست طريق لتحقيق المنافع الشخصية، وهو ماتنبه اليه المشرع الدستوري عندما فرض قيود الكفايات والمؤهلات على الوظائف العامة ،وهو مايفضي إلزام المشرع والادارة بحيدة القرار بهذا الشأن والنأي بأي شائبة قد تشوب هذه الحيدة ومنها تعارض المصالح يتداخل فيها الواجب الوظيفي مع المصلحة الخاصة على نحو يخل في نزاهة الوظيفة العامة و شرف أمانتها.

ومن ذلك ايضا نص المادة(27) من الدستور، والذي يتضمن إستقلال القضاء ، وهو ما يفيد إلى تكريس مبدأً دستورياً أشمل،وهو أن سلطات الدولة تمارس اختصاصاتها في إطار من الاستقلال والحياد، بما يحول دون خضوعها لمؤثرات أو مصالح خاصة، ولا يقف هذا المبدأ عند حدود العلاقة بين السلطات، وإنما يمتد إلى كل من يباشر سلطة عامة، إذ لا تستقيم شرعية القرار الإداري إذا كان محكوماً باعتبارات شخصية أو مالية تتعارض مع مقتضيات الوظيفة العامة.

وفي ذات السياق ايضا أشير إلى نص المادة (51) من الدستور التي قررت مسؤولية رئيس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب عن السياسة العامة ، ويستفاد من ذلك أن المسؤولية الوزارية التي قررها الدستور لا تقتصر على مساءلة الحكومة عن نتائج أعمالها، وإنما تؤسس لأيضا على إفتراض تجردها من المصالح الشخصية عند مباشرة اختصاصاتها، إذ لا تتحقق المساءلة الدستورية الحقيقية إذا كان القرار العام قد تأثر باعتبارات خاصة تناقض مقتضيات الحيدة والنزاهة.

بقي أن أقول أن الدستور الأردني قد أناط بالمشرع سلطة تنظيم الحقوق والمراكز القانونية، فإنه لم يجعل هذه السلطة سلطة مطلقة، بل قيدها، بموجب المادة (128/1)، بألا تمس القوانين جوهر الحقوق أو تنال من أساسها، ومن مقتضى ذلك أن يكون التنظيم التشريعي كفيلاً بحماية الحقوق من كل عدوان غير مباشر قد ينشأ عن استغلال الوظيفة العامة لتحقيق منافع خاصة. فالحق في المساواة، والحق في المنافسة المشروعة، والحق في تقلد الوظائف العامة على أساس الكفاءة، جميعها حقوق قد تُفرغ من مضمونها إذا لم يوجد تنظيم تشريعي يمنع تعارض المصالح قبل وقوعه، وليس بعد أن تترتب آثاره.

ومن جماع ماتقدم من نصوص - وغيرها من النصوص – يلاحظ وإن لم ترد فيها عبارة "تعارض المصالح" صراحة، إلا أنها في مجموعها تؤسس لمبدأ دستوري مؤداه أن الحياد وتعارض المصالح في ممارسة الاختصاص ناهيك عن كونه ميثاق شرف وقيمة أخلاقية وتدبير يستلزم على المسؤول الافصاح والتنحي ، فهو قيد دستوري يلازم مباشرة السلطة العامة وفقا للصالح العام ، وأن كل مزاحمة لهذه المصلحة بمصلحة شخصية أو مالية أو عائلية أو وظيفية تُعد انحرافاً عن الغاية الدستورية للسلطة، وإخلالاً بمبادئ المساواة والنزاهة والحياد والمساءلة وسيادة القانون، وهي جميعها قيم دستورية يتعين على المشرع صونها، وعلى القضاء الدستوري حمايتها.

ولما كان من شروط إستحداث أي تنظيم أن لايكون ترديداً لتنظيم قائم ، أو أن تكون الغاية منه متحققه ، وقبل ذلك البحث في مدى توافقه مع الدستور وملاءمته من الناحية الموضعية و استعراض التجارب التشريعية المقارنة فيه ، وبالرغم من ان المشرع الاردني قد تنبه لمسألة حيدة قرار المسؤول ونزاهة وشرف الوظيفة العامة إلا أنني أرى أن الغاية من استحداث تقنين تحظر بموجبه تعارض مصالح المسؤولين في الدولة يعتبر إكمال للمنظومة التشريعية في هذا السياق ، ومن خلال استعراض تلك التشريعات وجد أن من أهمها قانون الكسب غير المشروع رقم (21) لسنة 2014 ،الذي تناول بالتنظيم أحكاما عديده يدور فلكها ملاحقة الأفعال التي تشكل فساداً وفقاً لتعريفه القانوني، وينصرف إلى مساءلة من يثبت تضخم ثروته على نحو لا يتناسب مع موارده المشروعة، بينما تتولى مدونات السلوك للوزراء وأنظمة الموارد البشرية بيان قواعد السلوك الوظيفي. غير أن هذه التشريعات، على اختلاف أغراضها ,اهميتها ، لا تؤسس نظاماً قانونياً متكاملاً لإدارة تعارض المصالح، يحدد مفهومه، وأنواعه، ووسائل الإفصاح عنه، وآليات معالجته قبل أن يتحول إلى فساد أو استغلال للسلطة أو كسب غير مشروع.

وعلى سبيل التشريعات المقارنة لقد تنبهت إلى هذا التقنين بشكل صريح وواضح العديد من التشريعات ، ومنها القانون في جمهورية مصر العربية الذي تناول بالتنظيم بشكل واضح وصريح حالة تعارض المصالح في القانون رقم (106) لسنة 2013 بشأن تعارض مصالح المسئولين في الدولة ، وفي تقديري، فإن النموذج المصري يعد أساسًا مناسبًا يمكن للمشرع الأردني الاستفادة من فلسفته، ولتشابة المنظومة القانونية بين النظامين ، مع توسيع نطاق الخضوع ليشمل فئات أخرى تمارس سلطات تقريرية أو تدير المال العام، ولعل من أهم الأحكام التي تناولها القانون سالف الذكر بالتنظيم أنه حدد بشكل واضح وصريح حالة تعارض المصالح ،ومن ثم فرق في هذا السياق بين حالتين لتعارض المصالح التعارض المطلق والتعارض النسبي وكذلك النتائج التي تفضي إليها كل حالة ، وعن فلسة التجريم يلاحظ أن المشرع المصري قد اقام تنظيمة على ركيزتين أساسيتين أولهما الإفصاح، باعتباره التزامًا قانونيًا إيجابيًا يفرض على المسؤول العام الكشف عن مصالحه المالية والتجارية والمهنية، وكل علاقة أو منفعة من شأنها أن تؤثر، أو يحتمل أن تؤثر، في استقلاله أو حياد إرادته عند مباشرة اختصاصاته، بما يتيح للجهة المختصة تقييم حالة التعارض واتخاذ التدابير الكفيلة بإزالتها أو الحد من آثارها قبل أن تتحول إلى صورة من صور الانحراف بالسلطة. أما الركيزة الثانية فتتمثل في الجزاءات القانونية التي أحاط بها المشرع هذا الالتزام، إذ لم يجعل الإفصاح مجرد واجب أخلاقي أو تنظيمي، وإنما قرنه بجزاءات تكفل احترامه وفاعليته، ورتب المسؤولية القانونية على الإخلال بواجب الإفصاح، أو الامتناع عن إزالة حالة تعارض المصالح، أو استغلال الوظيفة العامة لتحقيق منفعة خاصة .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :