كطفل عاش في البادية الشمالية في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، كانت الدولة بالنسبة لي تتمثل في صورة رجل يحمل حقيبة من الملفات، وقلباً يتسع للصحراء.
يبدأ أبي نهاره قبل شروق الشمس، ويعود بعد أن ينام الضوء.
كنا نسكن فوق مكتبه، في دار شيدتها الدولة على طرف ذلك الفراغ الواسع، حيث يبدأ الأفق وينتهي. في الطابق الأسفل كانت الإدارة، وفي الأعلى كانت طفولتي معلّقة بين أصوات الأوراق، وخطوات المراجعين، ورائحة القهوة، والغبار القادم من البادية.
وفي كل صباح، كان يوقظني قبل أن يغادر، يرتب هندامي بيديه، ويبعثني إلى المدرسة سيراً على الأقدم. أعبر الطريق وحدي، بينما تنطلق سيارته اللاندكروزر الزرقاء نحو الجهات البعيدة، تحمل هموم الناس قبل أن تحمل أوراقهم. وعندما أعود ظهراً، أجد المكتب قد امتلأ بالوجوه، وكأن الوطن كله اختار ذلك المكان موعداً له.
كانت الشاحنات تصل ليلاً ونهاراً محمّلة بالطحين والأعلاف، في استجابة حاسمة لأعوام الجفاف التي ضربت البادية. كانت تلك الإغاثة الطارئة بداية لتحول استراتيجي تقوده الدولة؛ إذ كانت الإدارة تؤسس لنقلة كبرى تمثلت في مشروع حوض الحماد، ميزان التحول من سياسة الإغاثة والمؤونة إلى فكر التنمية المستدامة والتكيف البيئي لإدارة الصحراء وثرواتها. ثم تتبعها الطرق، وخطوط المياه، وأعمدة الكهرباء، والمدارس، والمعلمون، وشيوخ الدين، والآبار، وتسوية الأراضي، ومأسسة الهوية الأردنية. كنت أرى، بعين طفل، أن الدولة تنبت من تحت خطواته وأن الصحراء تتعلم أسماء أبنائها كلما مرّ بها.
كنت طفلاً.
كنت أرى تلك الجهات البعيدة تعود كلها إلى ذلك المكان، كأن الصحراء نفسها تدخل إلى المكتب وتترك أثرها على الطاولة، وكأن العالم الخارجي يعبر العتبة ليصبح ملفاً على الورق.
كان أبي يصنع مشهد الدولة كما يُصنع الخبز في أرض قاسية. كل ملف يمر بين يديه كان اسماً، وكل توقيع كان طريقاً، وكل قرار كان حجراً في بناء يتسع ويستمر في الاكتمال.
في ذلك المكتب، كان أبو دحام —كما أستعيده في الذاكرة— حاضراً كامتدادٍ طبيعي لذلك المشهد. رجل طويل، أنيق، مهيب، يلبس الثوب العربي على هيئة واثقة، كأن حضوره وحده يكفي لترتيب المكان. رئيس بلدية يعرف الأرض كما يعرف كفه، من طينة البادية الأولى، يجلس بثباته الهادئ على كنبةٍ مواجهةٍ لمكتب أبي، يقرأ التفاصيل بعين تتأنى في الحكم. وعلى الطاولة أمامه علبة سجائره الطويلة ذات الغلاف الذهبي، وقداحة «ديبون» تسبق النار بنغمة معدنية خفيفة، كأنها بداية قرار. يدخل الملفات كما يدخل الفلاح أرضه؛ يعرف حدودها، ويعرف ما يصلح لها.
وكان أبي يحمل غليونه كأنه جهاز دولة خفي. علبة تبغ صغيرة، يخلط محتواها ببطء بين أصابعه، وكأنه يعيد ترتيب العالم قبل أن يبدأ الكلام. يضغطه داخل الجوف الخشبي بأداة دقيقة، تضغط التبغ في ثلاث طبقات: طبقة الأرض، وطبقة الناس، وطبقة القرار. بعد أن تمر الفرشاة في الداخل، تزيح ما تراكم من أثر الأمس، وكأن الذاكرة تُختبر من جديد. بعدها تشتعل الشعلة، ويولد الصمت.
ذلك الصمت كان مساحة دولة قبل أن تُقال القرارات.
في الغليون كان كل شيء يُعاد ترتيبه: التنظيم, والضبط، والتنظيف، والإشعال، والانتظار. كأنّ الزمن نفسه يتعلّم أن يهدأ قبل أن يُصدر حكمه.
كان الناس يتكلمون كثيراً، وكان الغليون يحترق ببطء، يوازن اندفاع الكلام. كل نفثة تؤجل الحكم، وتمنح الحقيقة وقتها كي تكتمل. في ذلك المكتب، كانت القرارات تنضج على مهل، كما تنضج الأرض بعد مطر بعيد.
كانت البادية تُعاد صياغتها.
شارع يشق الصمت، ومدرسة تعبر المسافة بين الجهل والمعرفة، وماء يصل إلى مضارب بعيدة، وكهرباء تلمس الليل لأول مرة، ومعلم يفتح باباً في الذاكرة، وإمام يصل إلى أطراف لا تصلها المآذن إلا نادراً. كانت الدولة تُبنى فعلاً، قطعة قطعة، وكأنها تُستخرج من تحت الرمل.
لم يكن البناء عمراناً فقط، بل معنى. كان الإنسان يدخل في علاقة جديدة مع الدولة؛ علاقة يعرف فيها أن اسمه محفوظ، وأن صوته يصل، وأن حاجته تجد مستقرها الثابت.
كان أبي يعمل كما لو أن كل قرار يوقّعه يُعرض أمام ميزان خفي. مسافة واحدة تفصل يده عن المال العام، ومسافة واحدة تفصل قلبه عن الإغراء. بقي الراتب موفوراً، وبقيت الكرامة كاملة، وبقيت الأمانة في موضعها الأول.
مضت السنوات، وكبرنا على يقين واحد: أن ما يُؤخذ من الدولة يعود إليها في صورتها الأجمل، وأن ما يُمس من الأمانة يترك في الروح أثراً يزول مع الزوال.
وحين غادر الحياة، غادرها أبي -رحمه الله- كما عاشها؛ خفيفاً من كل متاعٍ زائل، ثقيلاً فقط بما تركه من أثر. لم يترك إلا الاسم، والسمعة، وذاكرة الناس. ومضى مستوراً كما عاش مستوراً، مكتمل المعنى بهدوء رجل أنهى مهمته
.
تعلمنا الشموخ وورثنا كبرياءه الكامن في الوقوف، وفي نظرة العين، وفي صمت الباب حين يُغلق، وفي يقين داخلي أن الكرامة تُرى قبل أن تُقال.
واليوم، كلما اشتدت الأيام، ورأيت الدخان يتكاثف في طرق السياسة والحياة، عدت إلى ذلك الغليون.
أراه في الذاكرة فقط؛ صورة رجل غاب عن الدنيا، لكنه بقي حاضراً في تفاصيلها، كأن الزمن احتفظ بحركته الأخيرة مخلداً هذا المشهد.
ذلك الغليون مستمر في الاشتعال ببطء، والدخان يرتفع بهدوء، ليكشف الحقيقة ويمنحها وقتها الكامل كي تُرى كما هي، متجاوزاً ضجيج العجلة.
وحين يعلو الدخان، أراه أثراً متجاوزاً الواقع… أراه أثر رجل مضى، وترك في الذاكرة طريقة كاملة لرؤية الدولة والناس والحياة. وأدرك أن أعظم ما يُترك هو السمعة الطيبة بين الناس؛ سمعة تبقى بعد الرحيل، وتختصر العمر كله في كلمة واحدة: احترام.