كان الأردني إذا أراد أن يطمئن على وطنه، نظر إلى قمحه، وزيتونه، وقطيع أغنامه. واليوم، ربما علينا أن ننظر إلى "الجميد".
فالجميد ليس مجرد مكوّن رئيسي في المنسف، بل هو خلاصة "منظومة" كاملة تبدأ من المطر والمراعي، وتمر بالمربي والماشية والمياه والأعلاف والقرية، وتنتهي على المائدة الأردنية. فإذا لم يعد الجميد كما كان، فهذا يعني أن شيئًا أعمق قد أصاب هذه المنظومة.
خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار الأعلاف، وتراجعت المراعي الطبيعية، وازدادت كلفة تربية الأغنام، حتى أصبح كثير من المربين يبيعون قطعانهم أو يقلصونها. ومع كل قطيع يغادر، لا نخسر منتجًا غذائيًا فقط، بل نخسر جزءًا من اقتصادنا الريفي، ومن خبرة تراكمت عبر أجيال.
وحتى "الإنسان" لم يسلم من هذا التحول. فالإنسان البلدي، مثل الجميد البلدي، أصبح محاصرًا بثقافة الاستهلاك السريع، وبمنتجات كثيرة تحمل الاسم ولا تحمل الروح. امتلأت الأسواق بما يشبه الجميد، كما امتلأ الفضاء بما يشبه الأصالة. لكن الفرق كبير بين منتج خرج من يد المربي والبيت والبادية، وبين منتج فقد صلته بالمكان والذاكرة.
ولم يعد التحدي اقتصاديًا فقط، بل أصبح ثقافيًا أيضًا. أصبح المستهلك يبحث عن "الجميد الأصلي"، كما لو أنه يبحث عن جزء من ذاكرته، وعن طعم بيت قديم، وعن رائحة قرية، وعن معنى كان حاضرًا في تفاصيل الحياة الأردنية.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفع سعر الجميد؟ بل: لماذا أصبح إنتاجه أصعب؟ ولماذا تراجعت البيئة التي كانت تنتجه طبيعيًا؟ ولماذا أصبح الريف أقل قدرة على حماية منتجاته ورموزه؟
إن حماية "الجميد" تبدأ بحماية المزارع، ودعم مربي الأغنام، وإحياء المراعي، وتشجيع الصناعات الريفية، وبناء علامة وطنية تحافظ على جودة المنتج الأردني وتمنحه فرصة المنافسة محليًا وعالميًا.
فالجميد ليس قضية مطبخ، بل قضية أمن غذائي، وتنمية ريفية، وهوية وطنية.
عندما نقول إن "جميدنا ليس بخير"، فنحن لا نرثي منتجًا غذائيًا، بل نطلق جرس إنذار يدعونا إلى إعادة الاعتبار للريف الأردني، وللمزارع، وللمربي، وللإنسان الذي ظل لعقود يحرس أحد أهم رموز هويتنا.
لأن "الوطن" الذي يحافظ على جميده، يحافظ على جذوره.