facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




في وداع المحسن الراجحي .. جعل المال حجةً له لا عليه


د. محمد حيدر محيلان
05-07-2026 08:43 AM

رحل أمس المحسن الكبير ورجل الأعمال السعودي الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي، أحد أبرز رواد المال والأعمال في العالم العربي والإسلامي، ومؤسس واحدة من أكبر المؤسسات المصرفية والاستثمارية في المملكة العربية السعودية، (بنك الراجحي) وصاحب استثمارات واسعة في القطاع المصرفي والزراعي والعقاري والغذائي، فضلًا عن أوقافه ومؤسساته الخيرية التي امتد أثرها إلى داخل المملكة وخارجها. وبرحيله لا تفقد المملكة رجل أعمال ناجحًا فحسب، بل تفقد مدرسةً متفردة في الكسب الحلال، والوقف، والإحسان، وتحويل الثروة إلى رسالة إنسانية باقية.

حين يرحل أصحاب الثروات تُحصى أموالهم، أما حين يرحل أصحاب الرسالات فتُحصى آثارهم. والشيخ سليمان الراجحي من هؤلاء؛ فقد ترك ثروةً انتقلت إلى الورثة ، وأثرًا صالحاً بقي للأمة وصدقة جارية ينتفع بها المرحوم، وهذا يؤكد أن المال ليس غاية، بل وسيلة إلى رضوان الله وخدمة الإنسان.

ليس كل غنيٍّ عظيمًا، فالمال لا يمنح صاحبه المجد، وإنما يمنح المجد والعظمة حسنُ كسبه وحسنُ توظيفه. وربَّ مالٍ أورث صاحبه نقمةً في الدنيا، وتبعةً في الآخرة، وربَّ مالٍ باركه الله فصار سببًا لرفعة صاحبه وحسن ذكره في الدارين. لذلك سيبقى اسم الراجحي حاضرًا؛ لأنه أدرك أن الثروة الحقيقية ليست ما يُضاف إلى الحسابات، بل ما يُضاف إلى ميزان الحسنات.

ومن أكثر القصص تداولًا في سيرته أنه كان طفلًا فقيرًا لم تستطع أسرته توفير ريال واحد ليشارك زملاءه في رحلة مدرسية، ففطن معلمه – وهو معلم فلسطيني – إلى حاله، وطرح سؤالًا في الصف ليجيبه الطفل ، ثم كافأه بريال بعد إجابته الصحيحة، ليحفظ كرامته أمام زملائه. بقي ذلك الموقف محفورًا في ذاكرته، ويُروى أنه بعد أن أصبح من كبار رجال الأعمال ظل يبحث عن معلمه حتى وجده، فكافأه بمنزل وسيارة وراتب كريم، وفاءً لريال غيّر يومًا من حياته، وربما غيّر حياته كلها.

وسواء ثبتت هذه الرواية بكل تفاصيلها أم بقيت في إطار ما يتناقله الناس، فإن معناها يظل عظيمًا؛ فكم من كلمة طيبة، أو موقف كريم، أو تشجيع صادق، غيّر مستقبل إنسان، وصنع قصة نجاح امتد أثرها لعقود.

لقد عرف الراجحي معنى الحاجة، فأدرك أن الفقير لا يحتاج إلى المال وحده، بل إلى من يصون كرامته ويمنحه فرصة للنهوض. لذلك لم يكن عطاؤه مجرد إنفاق، بل بناءً للإنسان، وتحويلًا للثروة إلى أوقاف ومؤسسات ومشروعات خيرية بقي خيرها جاريًا بعد رحيله.

والثروة لا تُختبر يوم جمعها، وإنما يوم مفارقتها. فكثيرون أحسنوا جمع المال، لكن قليلين أحسنوا توجيهه قبل أن يتركهم. والراجحي كان من هؤلاء الذين جعلوا جانبًا كبيرًا من ثروتهم وقفًا دائمًا، فبقي المال عامل بناء لا سببًا للنزاع، وبقي الأثر شاهدًا لصاحبه.

وفي المقابل، تكشف سيرته أن قيمة المال لا تُقاس بحجمه، بل بنقاء مصدره ومنبعه وحسن مصيره ومصبه. فكم من أموال جُمعت بطرق محرمة فلم تنفع أصحابها، وكم من ثروة بورك فيها لأنها قامت على الكسب الحلال، وتحولت إلى أبواب خير ودعوات صادقة لا تنقطع.

لقد علمتنا حياة الراجحي أن نتجهز للسؤال الصعب يوم القيامة : كم ملكت؟ و من أين اكتسبت؟ وفيم أنفقت؟ وأن أعظم استثمار ليس في العقار ولا في الأسواق، وإنما في العمل الصالح الذي يبقى بعد انقطاع العمر.

رحم الله الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل وقف أسسه، وكل محتاج أعانه، وكل طالب علم دعمه، في ميزان حسناته، وألهم أسرته الكريمة والمملكة العربية السعودية الصبر والسلوان.

ويبقى أعظم ما تركه الراجحي ليس ملياراته ولا شركاته، وإنما الفكرة التي عاش لها: أن المال إذا دخل القلب أفسده، وإذا خرج إلى الناس أصلحهم، وأن الإنسان لا يخلّد بما يملك، بل بما يترك من أثر. لقد جعل المال حجةً له لا عليه، وذلك هو الإرث الذي يستحق أن يبقى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :