المؤسسية لا تبنى بالقوانين وحدها .. بل بقيادات أمينة
ملاك الكوري
05-07-2026 08:55 AM
تتحدث الجهات الرسمية مؤخرا باستمرار عن أهمية ترسيخ المؤسسية وتفعيلها في مؤسسات الدولة وهي دعوة تستحق كل الدعم ولكنھا موجودھ من عقود ..فالأردن يمتلك منظومة متقدمة من القوانين والأنظمة ومدونات السلوك الوظيفي .
لكن يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في القوانين أم فيمن يطبقها؟
الحقيقة أن المؤسسية لا تنهار بسبب نقص التشريعات بل عندما تدار المؤسسات بعقلية المحسوبيات والتنفيعات وعندما يتجاوز بعض القيادات القانون لتحقيق مصالح شخصية أو إرضاء لوبيات على حساب الكفاءة والعدالة والمال العام ...
نحن بحاجة إلى قيادات تخاف الله في الأمانة التي أوكلت إليها قيادات تؤمن بأن المنصب مسؤولية لا امتياز وأن حماية مقدرات الوطن أهم من الألقاب والشهادات والمظاهر .
فالوطن لا يبنى بالبرستيج، وإنما بالنزاهة والإخلاص وحسن الإدارة .
نريد القيادي "الشبعان" نفسا، لا الجائع للمناصب والمكاسب .
فالشبع الحقيقي ليس بكثرة المال وإنما بالقناعة وعزة النفس .
أما من جعل المنصب وسيلة لتحقيق المصالح فإنه يظلم الكفاءات ويهدم المؤسسات من الداخل وسيأتي يوم يقف فيه الجميع أمام عدالة الله حيث تجتمع الخصوم ويقتص للمظلوم من الظالم .
كما أن اختيار القيادات من أبناء المؤسسة ممن يعرفون تفاصيل العمل وتاريخ المؤسسة وثقافتها غالبا ما يكون أكثر نجاحا من استقدام قيادات من خارجها تحتاج سنوات لفهم طبيعة العمل ثم تغادر قبل أن تحقق أثرا حقيقيا .
إن تجاهل الكفاءات الوطنية داخل المؤسسات وإقصاء أصحاب الخبرة لصالح التنفيعات هو أحد أسباب ضعف الأداء والتخبط الإداري .
ومن خلال تجربتي في العمل مع إحدى الشركات العالمية في القطاع الخاص خارج البلاد تعلمت درسا لا ينسى ..فقد أخبرني صاحب العمل أنهم يفضلون توظيف شخص متوسط الخبرھ او بخبرة عاليھ لكنه أمين وصادق ويحترم الآخرين على شخص يحمل أعلى الشهادات وأندر التخصصات لكنه سيئ السلوك أو فاقد للأمانة .
قال لي: الخبرة يمكن أن نعلمها، أما الأخلاق فلا تُمنح بالدورات.
وهذا المبدأ يتوافق مع أعظم نموذج عرفته البشرية عندما اختارت السيدة خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكا في تجارتها ثم زوجا لها لم تختره لأنه الأغنى أو الأكثر نفوذا و إنما لأنه كان الصادق الأمين .
لقد قدمت الأمانة والصدق على كل اعتبار وهو درس خالد في أن الأخلاق أساس النجاح والثقة .
إن بناء مؤسسات قوية لا يبدأ بإصدار المزيد من التعليمات بل يبدأ باختيار الإنسان المناسب للمكان المناسب وفق معايير الكفاءة والنزاهة والسلوك بعيدا عن الواسطة والمحسوبية والتنفيعات .
فإذا أردنا مؤسسات قوية فعلينا أولا أن نبني قيادات قوية في أخلاقها قبل شهاداتها وفي ضميرها قبل مناصبها لأن الأوطان لا يحفظها إلا الأمناء ولا ينهض بها إلا أصحاب الضمائر الحية .