أصبح الحديث عن الفساد في مجتمعاتنا ينصرف غالبًا إلى المسؤولين وأصحاب النفوذ، وكأن الفساد ظاهرة تنشأ في قمة الهرم الإداري ثم تنتقل إلى بقية المجتمع. هذا التصور في الحقيقة بسيط و سطحي، فالفساد ليس وظيفة، وإنما سلوك إنساني. وما المناصب العامة إلا بيئة قد تمنح هذا السلوك قدرة أكبر على التأثير.
في رسالة الماجستير التي أعددتها بعنوان "العدسات الاستراتيجية و انعكاساتها على إدراك مظاهر الفساد من خلال الاجماع الاستراتيجي "، توصلت إلى نتيجة مفادها أن الفساد لا يبدأ من الدولة، وإنما يبدأ من الإنسان. فكل مجتمع يحمل في داخله استعدادًا متفاوتًا لممارسة الفساد، وتحدد البيئة القانونية والأخلاقية مقدار ما يتحول من هذا الاستعداد إلى سلوك فعلي.
فالإنسان بطبيعته يسعى إلى تحقيق مصلحته، وقد يحاول أحيانًا تجاوز القواعد إذا وجد أن المكاسب أكبر من التكلفة. ولهذا لم تظهر الأخلاق والأديان والقوانين عبثًا، بل جاءت جميعها لتضع قيودًا على هذا الميل الطبيعي. فالضمير يراقب من الداخل، والدين يضع معيارًا أخلاقيًا، والمجتمع يفرض قيمًا عامة، ثم يأتي القانون ليضع الجزاء عند الإخلال بهذه القواعد.
وعندما تضعف هذه المنظومات أو تتراجع فاعليتها، يصبح الفساد أكثر حضورًا. لذلك فإن الموظف الذي يقبل الرشوة، والمواطن الذي يعرضها، ومن يستخدم الواسطة، ومن يتهرب من الضريبة، ومن يزور وثيقة، ومن يتجاوز النظام لأنه يعتقد أن أحدًا لن يحاسبه، جميعهم يمارسون الفساد بدرجات مختلفة، حتى وإن اختلفت قيمة الضرر الناتج عن أفعالهم.
ومن هنا فإن اختزال الفساد في المسؤولين وحدهم يمثل قراءة ناقصة للمشكلة. فالمسؤول هو في النهاية فرد خرج من المجتمع نفسه، وتكوّن داخل المنظومة القيمية ذاتها. وإذا كان المجتمع يتسامح مع أشكال الفساد الصغيرة، فمن الطبيعي أن يظهر الفساد الأكبر عندما يصل بعض أفراده إلى مواقع السلطة.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تبدأ فقط بإنشاء الهيئات الرقابية أو زيادة العقوبات، بل تبدأ ببناء منظومة قانونية محكمة. فكلما كان القانون واضحًا، وخاليًا من الثغرات، ومطبقًا على الجميع دون استثناء، انخفضت فرص الفساد. أما القوانين التي تحتوي على استثناءات واسعة أو نصوص قابلة للتأويل أو سلطات تقديرية غير منضبطة، فإنها تفتح المجال أمام استغلال النفوذ وإساءة استخدام السلطة.
إن الفساد ليس مرضًا يصيب الحكومات وحدها، بل هو قابلية موجودة في النفس البشرية، تعمل المجتمعات على الحد منها عبر التربية والأخلاق والدين، ثم عبر القانون بوصفه الضامن الأخير للنظام العام. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من هم الفاسدون؟ بل: إلى أي مدى نجح مجتمعنا في بناء منظومة تجعل الفساد خيارًا مكلفًا لا خيارًا سهلًا؟
ولهذا اخترت عنوان هذا المقال: "نحن الفاسدون"، ليس لإدانة المجتمع، وإنما للتأكيد أن الاعتراف بجذور المشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. فما دام كل فرد يعتقد أن الفساد يخص الآخرين، فلن يتغير شيء. أما عندما ندرك أن مقاومة الفساد تبدأ من سلوك الفرد، وتكتمل بقانون عادل وحازم يطبق على الجميع، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لدولة أكثر نزاهة وعدالة.