من الحرب إلى طاولة المفاوضات
م. سعيد المصري
05-07-2026 09:19 AM
* كيف استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الحرب النفسية لتحقيق مكاسب تفاوضية؟
في الحروب الحديثة، لا يُقاس النجاح بعدد الأهداف التي دُمِّرت أو حجم الخسائر التي أُلحقت بالخصم، بل بقدرة كل طرف على تحويل ما حققه في الميدان إلى مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات. فالقوة العسكرية أصبحت وسيلة، بينما يبقى الهدف النهائي هو تحسين الموقع التفاوضي وصياغة الترتيبات السياسية لما بعد الحرب.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة المواجهة التي اندلعت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، باعتبارها نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الحرب النفسية والردع العسكري والضغط الاقتصادي لخدمة أهداف تفاوضية، وليس لتحقيق انتصار عسكري مجرد.
دخلت إسرائيل المواجهة وهي تعتمد على عقيدة تقوم على التفوق الاستخباري والقدرة على اختراق العمق الإيراني واستهداف المنشآت الحساسة والقيادات العسكرية. ولم يكن الهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، بل أيضاً ترسيخ صورة ذهنية بأن المنظومة الأمنية الإيرانية قابلة للاختراق، وأن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي هدف تختاره. وكانت هذه رسالة موجهة إلى القيادة الإيرانية بقدر ما كانت موجهة إلى الرأي العام الإقليمي والدولي، مفادها أن ميزان القوة يميل بصورة واضحة لصالح إسرائيل.
أما الولايات المتحدة، فقد استخدمت أسلوباً مختلفاً يقوم على الجمع بين القوة العسكرية والضغط النفسي. فقد حملت الضربات المباشرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، والتصريحات التي دعت إلى “الاستسلام غير المشروط”، رسالة تفاوضية تهدف إلى دفع إيران للقبول بتسوية من موقع أضعف. غير أن هذه اللغة، رغم ما حملته من قوة، منحت القيادة الإيرانية في المقابل فرصة لتعبئة الداخل الإيراني حول خطاب السيادة الوطنية ورفض الإملاءات الخارجية، وهو ما جعل استمرار سياسة الضغط الأقصى أقل فاعلية مع مرور الوقت، ودفع واشنطن لاحقاً إلى الانتقال من سياسة فرض الشروط إلى سياسة إدارة التفاوض.
في المقابل، تعاملت إيران مع الحرب من منظور مختلف. فهي لم تسع إلى تحقيق انتصار عسكري شامل، وهو هدف تدرك صعوبة تحقيقه في ظل اختلال موازين القوى، وإنما ركزت على رفع كلفة استمرار الحرب على خصومها، وتوسيع نطاق الضغوط عليهم، وتحويل أدوات الردع إلى أوراق تفاوضية.
فقد استخدمت إيران التهديد باستهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج العربي لتوجيه رسالة مفادها أن أي حرب لن تبقى محصورة داخل حدودها، وأن أمن القوات الأميركية سيصبح جزءاً من معادلة الصراع. ولم يكن الهدف بالضرورة توجيه ضربات واسعة، بقدر ما كان توسيع دائرة المخاطر التي يجب على صانع القرار الأميركي أخذها في الحسبان.
لكن الورقة الأكثر تأثيراً تمثلت في مضيق هرمز. فقد أدركت طهران أن السيطرة العملية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم تمنحها أداة ضغط لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره. ولذلك تحول المضيق من ممر ملاحي إلى ورقة تفاوضية، إذ أصبح استمرار انسياب التجارة والطاقة مرتبطاً بإيجاد مخرج سياسي للأزمة، وهو ما منح إيران ثقلاً تفاوضياً يتجاوز حجم قدراتها العسكرية التقليدية.
وفي الوقت نفسه، نجحت إيران في توسيع نطاق التفاوض ليشمل الحرب الإسرائيلية على لبنان. فبدلاً من أن يقتصر وقف إطلاق النار على المواجهة الأميركية–الإيرانية، جرى إدراج الجبهة اللبنانية ضمن التفاهمات، الأمر الذي وضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية ممارسة ضغوط على إسرائيل لمنع استمرار التصعيد، ودفعها إلى الانخراط في مسار تفاوضي مع الحكومة اللبنانية بعدما كانت ترفض ذلك أو تربطه بشروط مسبقة. وبذلك نجحت إيران في تحويل ملف لبنان من ساحة قتال إلى ورقة تفاوض إقليمية.
ومن خلال هذه الأدوات، لم تمنع إيران الحرب، لكنها نجحت في منع حصر نتائجها داخل الجبهة الإيرانية وحدها. فقد ربطت أمن القوات الأميركية بأمن الخليج، وربطت أمن الخليج بحرية الملاحة في هرمز، وربطت وقف إطلاق النار بمستقبل الجبهة اللبنانية، لتصبح جميع هذه الملفات جزءاً من معادلة تفاوضية واحدة.
وعند تقييم الأداء التفاوضي للأطراف الثلاثة، يمكن القول إن إسرائيل حققت تفوقاً عملياتياً واستخبارياً واضحاً، وأثبتت قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة داخل العمق الإيراني، إلا أن تحويل هذا التفوق إلى مكاسب سياسية دائمة ظل أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
أما الولايات المتحدة، فقد نجحت في منع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى الانتقال من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة التفاوض وإدارة التوازنات، بعدما اتضح أن استمرار التصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي معاً.
في المقابل، لم تحقق إيران انتصاراً عسكرياً حاسماً، لكنها أظهرت قدرة ملحوظة على استثمار أدوات الردع العسكري والحرب النفسية والضغط الاقتصادي لتحسين موقعها التفاوضي، وتوسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات إقليمية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
وهنا يتضح أن الحرب النفسية لم تكن مجرد حملة إعلامية مرافقة للعمليات العسكرية، بل كانت جزءاً من عملية تفاوض مستمرة. فكل تصريح، وكل تهديد، وكل ضربة، كان يحمل رسالة موجهة إلى الخصم وإلى الوسطاء وإلى المجتمع الدولي، تمهيداً لترجمتها لاحقاً إلى مكسب سياسي أو أمني على طاولة المفاوضات.
ويبقى السؤال الأهم: ما الذي كانت تسعى إليه إيران في نهاية المطاف؟
من منظور تحليلي، يبدو أن الهدف الإيراني لم يكن تحقيق نصر عسكري شامل على الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل إعادة تعريف مكانتها في النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد الحرب. فقد سعت طهران، عبر الصمود العسكري، واستخدام الحرب النفسية، والردع الاقتصادي في مضيق هرمز، وربط وقف إطلاق النار بالساحة اللبنانية، إلى إيصال رسالة مفادها أنها ليست دولة يمكن احتواؤها أو تجاوزها، بل دولة متوسطة القوة تمتلك من أدوات التأثير ما يجعل مشاركتها في ترتيبات الأمن الإقليمي أمراً يصعب تجاهله.
وبعبارة أخرى، إذا كانت إسرائيل قد سعت إلى إثبات تفوقها العسكري، وسعت الولايات المتحدة إلى تأكيد قيادتها للنظام الأمني في المنطقة، فإن إيران سعت إلى تحقيق هدف مختلف: أن تخرج من الحرب ليس بوصفها دولة منتصرة، بل بوصفها دولة لا يمكن استبعادها من أي ترتيبات سياسية أو أمنية في زمن السلم.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تكشفه هذه المواجهة. فالحروب الحديثة لا تُحسم في الميدان وحده، بل في قدرة الدول على تحويل القوة إلى نفوذ، والردع إلى اعتراف سياسي، والمواجهة العسكرية إلى موقع متقدم على طاولة صناعة السلام. ومن ينجح في تحقيق هذه المعادلة، يكون قد حقق المكسب الاستراتيجي الأهم، حتى وإن لم يحقق نصراً عسكرياً كاملاً.