facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ماذا لو تعطّل هرمز وباب المندب معاً؟ ..


د. حمد الكساسبة
15-07-2026 10:08 AM

* صدمة ثلاثية في العرض والأسعار والثقة

ماذا لو أدّت المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد، سواء بإغلاقهما فعلياً أو بجعل المرور عبرهما بالغ الخطورة والكلفة؟ عندها لن يكون الشرق الأوسط أمام أزمة عسكرية محدودة، بل أمام صدمة اقتصادية مزدوجة في الطاقة والتجارة، سرعان ما تتحول إلى صدمة ثلاثية في العرض والأسعار والثقة؛ فالمضيقان قد يبقيان مفتوحين عسكرياً، لكنهما يصبحان شبه مغلقين اقتصادياً عندما ترتفع كلفة العبور إلى مستويات تعطل الحركة الطبيعية للأسواق.

ويعبر هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، ما يجعله شرياناً رئيسياً لأسواق الطاقة، بينما يشكل باب المندب بوابة حيوية للتجارة بين الخليج وآسيا من جهة، والبحر الأحمر وقناة السويس وأوروبا من جهة أخرى. ولهذا فإن تعطلهما معاً لن يرفع سعر النفط فحسب، بل سيزيد أيضاً كلفة وصول كل ما تنتجه الطاقة وتنقله السفن، من الغذاء والمواد الخام إلى المعدات والسلع الاستهلاكية.

وتبدأ التداعيات من جانب العرض، مع تراجع تدفقات النفط والغاز وتأخر الشحنات ومدخلات الإنتاج، واضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما قد يضيف إلى الرحلة ما بين عشرة أيام وأسبوعين. ويترتب على ذلك ارتفاع استهلاك الوقود وكلفة النقل والتخزين ورأس المال العامل، واضطراب جداول الإنتاج، فتنتقل الأزمة من الممرات البحرية إلى المصانع والأسواق وسلاسل الإمداد.

ثم تنتقل الصدمة سريعاً إلى الأسعار؛ فارتفاع النفط والشحن والتأمين لن يبقى محصوراً في قطاع بعينه، بل سينعكس على كلفة الإنتاج والنقل والغذاء والسياحة والطيران، ويظهر في معدلات التضخم وعجز الميزان التجاري وضغوط الموازنة. وقد تكتشف الدول المصدرة أن ارتفاع سعر النفط لا يمثل مكسباً إذا تعذر تصديره، بينما ستجد الدول المستوردة أن المشكلة لا تقتصر على شراء الطاقة بسعر أعلى، بل تمتد إلى ارتفاع كلفة استيراد معظم السلع ومدخلات الإنتاج التي تعتمد عليها اقتصاداتها.

غير أن الأثر الأعمق والأبطأ زوالاً سيظهر في تراجع الثقة؛ فاستمرار التهديد سيدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم، والمصارف إلى تشديد شروط التمويل، وشركات التأمين إلى رفع أقساطها، وشركات السياحة والطيران إلى إعادة تقييم نشاطها في المنطقة. وهكذا لا تصبح الأزمة مجرد نقص في السلع أو ارتفاع في الأسعار، بل تتحول إلى حالة من التشاؤم في التوقعات وانكماش في الثقة، بما يضغط على الاستثمار والاستهلاك والنمو.

ولا تحتاج هذه الصدمات إلى إغلاق كامل حتى تبدأ بالظهور؛ فقد يكفي أن تصبح حركة العبور غير منتظمة أو مرتفعة المخاطر حتى تتردد شركات الملاحة في دخول المنطقة، وتُفرض رسوم إضافية، وتتراجع القدرة الفعلية للممرات على استيعاب حركة الملاحة. وعندها يصبح الخوف ذاته سلعة لها سعر، ويدخل احتمال الاستهداف في كلفة كل برميل وشحنة وتذكرة وعقد تمويل، فتظل المضائق مفتوحة عسكرياً، لكنها تصبح مغلقة اقتصادياً.

ومن هنا تبرز «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الكلفة الإضافية التي تتحملها اقتصادات المنطقة لمجرد وقوعها قرب خطوط مواجهة وممرات مهددة، حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً في الصراع. ولا تقتصر هذه العلاوة على النفط والشحن والتأمين، بل تمتد إلى كلفة الاقتراض وتقييم الأصول وقرارات المستثمرين وتدفقات السياحة، بما يحول الجغرافيا، في غياب البدائل والمرونة، من مصدر أهمية استراتيجية إلى عبء مالي يحد من النمو ويرفع كلفة رأس المال.

وتصبح هذه العلاوة أكثر رسوخاً عندما يطول أمد التوتر؛ فقد لا يكون السيناريو الأخطر حرباً واسعة وسريعة، بل استمرار حالة بين الحرب والسلم، تتخللها ضربات محدودة وتهديدات متبادلة وتعطل متقطع للملاحة والطيران من دون تسوية واضحة. فالصدمة القصيرة قد تستوعبها الأسواق تدريجياً، أما الاستنزاف الطويل فيثبت المخاطر داخل الأسعار والعقود وقرارات الاستثمار، ويجعل الاقتصاد يعمل تحت ضغط دائم من عدم اليقين.

ولهذا تحتاج دول المنطقة إلى الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء قدرة اقتصادية حقيقية على امتصاصها، عبر مخزونات استراتيجية موزعة من الطاقة والغذاء والدواء، وشبكة إقليمية مرنة تربط الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البرية والسكك الحديدية بما يتيح إعادة توجيه التجارة والطاقة سريعاً عند تعطل أي ممر، وآلية مشتركة لتغطية مخاطر الملاحة والحد من الارتفاع الحاد في كلفة الشحن والتأمين؛ فالدول قد لا تملك قرار إبقاء المضائق مفتوحة، لكنها تملك القدرة على تقليل الثمن الاقتصادي الذي تدفعه عندما تصبح الملاحة عبرها مهددة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :