إعادة هندسة التعليم أم إعادة هندسة الإدارة؟
فيصل تايه
16-07-2026 09:02 AM
* من دمج الوزارات إلى بناء منظومة وطنية لتنمية رأس المال البشري
في خطوة تمثل محطة مهمة في مسار تحديث الإدارة العامة في الأردن، قرر مجلس الوزراء الموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع نظام التنظيم الإداري لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، تمهيدًا لإرساله إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال إجراءات إقراره حسب الأصول.
ويمثل هذا القرار بداية مرحلة جديدة لاستحداث وزارة ستكون خلفاً قانونياً وإدارياً لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، ضمن متطلبات خارطة طريق تحديث القطاع العام، وبهدف بناء منظومة تعليمية أكثر تكاملاً وقدرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية الوطنية والتحولات المتسارعة في سوق العمل.
وتأتي أهمية هذا التحول من كونه يتجاوز حدود إعادة الهيكلة الإدارية، ليصل إلى إعادة تعريف موقع التعليم في مشروع الدولة، والانتقال من نموذج يقوم على إدارة مؤسسات منفصلة إلى نموذج وطني متكامل ينظر إلى التعليم باعتباره المحرك الأساسي لتنمية رأس المال البشري واستثماراً طويل الأمد في الإنسان.
ومن هنا فإن السؤال الأبرز ليس: كيف سيتم دمج الهياكل؟ وإنما: كيف يمكن بناء مؤسسة جديدة قادرة على قيادة التعليم وتنمية الموارد البشرية وفق رؤية تتناسب مع متطلبات المستقبل؟ وتشير التجارب الإدارية الناجحة إلى أن الدمج المؤسسي لا ينجح بمجرد نقل الاختصاصات أو توحيد المكاتب، وإنما عندما يعيد تشكيل ثقافة المؤسسة، ومسارات القرار، وآليات العمل، وتحويل فلسفة النظام إلى ممارسة يومية يشعر بها الميدان.
إن الهيكل التنظيمي، مهما بلغ تطوره، يبقى وسيلة لتحقيق الغاية وليس غاية بحد ذاته؛ فقيمة أي نموذج إداري تقاس بقدرته على توضيح المسؤوليات، وتسريع القرار، وتحقيق التكامل، وربط الأداء بالنتائج. ومن هذا المنطلق، فإن التوجه نحو فصل الوظائف الاستراتيجية والأكاديمية والميدانية يمثل فرصة لإعادة بناء طريقة العمل داخل الوزارة، بحيث تركز القيادة المركزية على السياسات والحوكمة، بينما تُمنح المستويات التنفيذية مرونة التعامل مع الواقع الميداني ضمن إطار واضح من الصلاحيات والمساءلة.
وهذا التمكين يتطلب بالضرورة تأسيس منظومة بيانات وطنية موحدة ومؤتمتة، تربط المسار التعليمي والمهاري للطالب منذ مراحل التعليم المدرسي مروراً بالتعليم العالي والمهني والتقني، وصولاً إلى سوق العمل؛ ليكون صانع القرار متسلحاً بمؤشرات رقمية حية تدعم صناعة السياسات المبنية على الأدلة، وتكشف الفجوات، وتساعد على توجيه الموارد بكفاءة.
لكن نجاح هذا الفصل يحتاج إلى إعادة صياغة العلاقة بين المركز والميدان؛ فالمركز الذي ينشغل بالتفاصيل التنفيذية يفقد قدرته على قيادة التحول، والميدان الذي يتحمل مسؤوليات دون صلاحيات لا يستطيع تحقيق النتائج. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدارة واعية للتحول المؤسسي من خلال قدرة تنظيمية مرنة تتابع متطلبات الانتقال، وتنسق بين المكونات، وتراجع التشريعات والأنظمة المساندة لضمان انسجامها مع فلسفة النظام الجديد، حتى لا يصبح الدمج مجرد جمع لهياكل قائمة تحت مظلة واحدة.
كما أن أحد التحديات الجوهرية في هذا التحول يكمن في تجاوز الفجوة التقليدية بين الثقافة المدرسية والثقافة الأكاديمية الجامعية، وبناء رؤية وطنية موحدة تضمن تكامل التعليم العام والمهني والتقني والعالي، وتعزز مكانة المسارات المهنية باعتبارها جزءاً أصيلاً من منظومة بناء الموارد البشرية الوطنية.
وفي هذا السياق، ستكون المديريات الميدانية الحلقة الأكثر أهمية في اختبار نجاح التجربة؛ فكل إصلاح يفقد معناه إذا لم يصل إلى المدرسة وينعكس على المعلم والطالب. واللامركزية المطلوبة لا تعني فقط توزيع المهام، بل بناء قدرة مؤسسية لدى الميدان لاتخاذ القرار المناسب، وضمان الجودة، وتمكين الكوادر من الإنجاز.
وفي المقابل، فإن نجاح مشروع التحول سيبقى مرتبطاً بالعنصر البشري؛ فالهياكل لا تعمل بذاتها، بل من خلال أشخاص يحتاجون إلى بناء القدرات وتأهيل القيادات التربوية والإدارية للقيام بالأدوار الجديدة كمسار موازٍ لإعادة التنظيم، مع ضرورة اقتران هذا المسار بتحقيق الاستقرار المهني والأمان الوظيفي والنفسي لكافة الكوادر، بما يبدد المخاوف ويجعل العاملين شركاء فاعلين في التحول. فالمسميات قد تتغير، لكن الأداء يبقى أسيراً للنمط القديم إذا لم تتغير ثقافة العمل، وآليات المساءلة، وطرق قياس النجاح.
إن إدخال مفهوم "تنمية الموارد البشرية" في اسم الوزارة الجديدة يحمل رسالة استراتيجية تعكس انتقال الدولة إلى ربط التعليم مباشرة بالمعرفة والمهارة والاقتصاد؛ لتصبح رحلة الطالب جزءاً من مشروع وطني لإعداد الإنسان القادر على المنافسة والإبداع.
لذلك، ستكون مرحلة التنفيذ القادمة هي الاختبار الحقيقي للفرق بين الإصلاح الناجح ومجرد التنظيم الإداري. وهي مرحلة تتطلب إدارة واعية للانتقال، تضمن استمرارية العمل، وتستثمر في الكفاءات الموجودة، وتبني أنظمة حديثة للبيانات، على أن تُدار عملية الانتقال وفق جدول زمني منضبط، ومؤشرات أداء معلنة وقابلة للقياس، تضمن دقة الإنجاز وسلاسته؛ فالإصلاح لا يكتمل بالنصوص وإنما يتحقق بالممارسة.
إن الفرصة المتاحة اليوم تتجاوز حدود الهيكل الإداري الجديد؛ فهي فرصة لبناء نموذج مختلف لحوكمة التعليم في الأردن، نموذج يجعل المدرسة محوراً للعمل، والمعلم شريكاً في التطوير، والطالب الغاية النهائية لكل سياسة وإجراء، لإنتاج مؤسسة أكثر مرونة وتعلماً واستجابة، تعيد تعريف العلاقة بين التعليم والتنمية، وبين المعرفة والمستقبل.
فإعادة هندسة الإدارة هي الطريق، لكن إعادة هندسة التعليم هي الهدف.
والرهان الحقيقي ليس في دمج وزارتين، بل في بناء منظومة وطنية واحدة قادرة على صناعة الإنسان الذي يحتاجه الأردن في المستقبل.
والله ولي التوفيق.