facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




معلّقة امرئ القيس… حين يصبح الوقوف على الأطلال وقوفًا أمام الذات


كابتن أسامة شقمان
17-07-2026 05:57 PM

ليست معلّقة امرئ القيس قصيدة غزل فحسب، ولا وصفًا لرحلة في الصحراء، ولا لوحة للّيل والخيل والمطر؛ إنها رحلة إنسانية تبدأ من الفقد، وتعبر الحزن والحركة، وتنتهي عند محاولة فهم الذات ومصالحتها مع الزمن.

يفتتح امرؤ القيس معلقته بقوله: قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ - بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

لا يقف الشاعر أمام الأطلال وحيدًا، بل يستدعي صاحبيه ليشاركا معه لحظة التذكر. وكأنه يدرك أن الحزن يخفّ حين يجد من يصغي إليه، وأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى شاهد على ألمه ليطمئن إلى أن ما فقده لم يكن وهمًا، وأن الأيام التي غابت كانت يومًا حياة كاملة.

فالوقوف على الأطلال ليس حنينًا إلى مكان خالٍ فقط، بل مواجهة صريحة مع الزمن. المكان ما يزال قائمًا، لكن أهله رحلوا، والديار صامتة، بينما الذاكرة تزدحم بالأصوات والصور. وهنا تتجلى مأساة الإنسان: قد تزول الأشياء من حوله، لكنها تظل حاضرة في داخله، وربما يصبح أثرها بعد رحيلها أقوى من وجودها.

ولم يكن امرؤ القيس يبكي حبيبته وحدها، بل كان يبكي زمنًا مضى، ويبكي ذاته القديمة التي عاشت في ذلك الزمن. فالإنسان حين يشتاق إلى الماضي، لا يشتاق دائمًا إلى الأشخاص والأماكن، بل يشتاق إلى نفسه كما كانت: أكثر اندفاعًا، أو أقل تعبًا، أو أوفر أملًا. ولهذا تصبح الأطلال مرآة يرى فيها المرء مقدار ما تغير فيه، لا مقدار ما تغير في المكان وحده.

ثم ينتقل الشاعر من سكون الديار إلى ثقل الليل، فيقول: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله - عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

الليل هنا ليس وقتًا من أوقات اليوم، بل حالة نفسية ممتدة. إنه صورة للهم حين يطول، وللقلق حين يحيط بالإنسان من كل جانب. وقد شبّهه بموج البحر لأن الحزن، مثل البحر، لا يظهر له حد، وكلما حاول المرء عبوره ظن أن الشاطئ ما يزال بعيدًا.

ثم يقول: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي - بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ

يطلب من الليل أن ينتهي، لكنه يعلم أن الصباح لن يكون أفضل. وهذه لحظة فلسفية عميقة؛ فالمشكلة ليست دائمًا في الظروف من حولنا، بل في الألم الذي نحمله داخلنا. كم من إنسان غيّر مكانه، وانتظر يومًا جديدًا، ثم اكتشف أن أحزانه سافرت معه. فحين تكون العاصفة في النفس، لا يكفي أن يتغير الطقس.

ومع ذلك، لا تستسلم المعلّقة للسكون. ففي وصف فرسه يقول: مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا - كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ

هنا تتحول القصيدة إلى قوة وحركة. فالفرس رمز لإرادة الإنسان التي تدفعه إلى الأمام، حتى وهو يحمل آثار الماضي. والجمع بين الإقبال والإدبار، والكر والفر، يصور الحياة كما هي: تقدم وتراجع، قوة وضعف، نجاح وتعثر. فالنضج لا يعني ألا نتراجع، بل أن نعرف متى نتوقف، ولماذا نعود، وكيف نواصل الطريق.


وفي نهاية المعلّقة يأتي المطر ليغسل الأرض ويبعث فيها الحياة. وبعد الأطلال والليل والحزن، تبدو الطبيعة وكأنها تقول إن الخراب لا يدوم، وإن العالم قادر على التجدد مهما اشتد القحط. وهكذا تبدأ القصيدة بديار خالية، وتنتهي بأرض يغمرها الماء، وكأنها رحلة من الفقد إلى الوعي، ومن الانكسار إلى الرجاء.

وموعظة المعلّقة أن الماضي لا يعود، لكنه قد يصبح حكمة، وأن الحزن لا يزول دائمًا، لكنه قد يتحول إلى معنى. فالإنسان لا ينتصر على الزمن بمنعه من أخذ ما يحب، بل بأن يحفظ أثره في قلبه دون أن يسمح له بأن يعطّل حياته. ولهذا قال امرؤ القيس: "قِفا نبكِ"، ولم يقل: قِفا نعد. فقد عرف أن ما مضى لا يُسترد، وأن الحكمة ليست في البقاء عند الأطلال، بل في أن نبكي ما فقدناه بصدق، ثم نحمل درسه ونمضي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :