الأردن فجر المسيحية .. عندما تلتقي المبادرات السياحية بالجهود الفردية
عبدالرحيم العرجان
19-07-2026 09:57 AM
لطالما شكّل الأردن أرضًا للرسالات السماوية، وموطنًا للتلاقي الحضاري والإنساني، حيث تمتد جذور التاريخ الديني في كل بقعة من بقاعه، من المغطس، موقع معمودية السيد المسيح، إلى جبل نيبو، ومكاور، وأم الرصاص، وغيرها من المواقع التي تحتفظ بذاكرة روحية وإنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
معرض عالمي لوزارة السياحة والاثار
ومن هنا، أرى أن معرض "الأردن: فجر المسيحية" الذي أطلقته وزارة السياحة والآثار يمثل خطوة وطنية مهمة في التعريف بالإرث المسيحي الأردني بشكل عصري يلامس الافئدة و يحكي العقول، ويؤكد الاهتمام المتزايد بتقديم الأردن للعالم بوصفه وجهة رئيسية لهذة الغاية، مستندًا إلى تاريخ موثق ومواقع معترف بها عالميًا.
بالنسبة لي، لم يكن هذا الاهتمام جديدًا، بل كان امتدادًا لمسيرة بدأت قبل سنوات طويلة، حين انطلقت في مشروع فوتوغرافي وبحثي حمل عنوان "على خطى السيد المسيح نبي الله عيسى ابن مريم علية السلام". كان الدافع آنذاك الإيمان بأن هذه المواقع تستحق أن تُوثق بعدسة أردنية امينة، وأن تُروى قصتها للعالم بلغة الصورة والثقافة والمعرفة المبنية على الخبرة والبحث العلمي الرصين.
البحث عن الحقيقة
على مدار سنوات من الترحال والبحث الميداني، زرت مواقع الحج المسيحي في الأردن والمنطقة، وعملت على توثيقها بصريًا، معتمدًا على جهد شخصي كامل، دون دعم مؤسسي أو تمويل. ولم يكن الهدف إنتاج صور فنية فحسب، بل بناء أرشيف يوثق قيمة هذه المواقع ويبرز مكانة الأردن في تاريخ المسيحية، باعتباره جزءًا أصيلًا من الأرض التي شهدت أحداثًا مفصلية في تاريخ الرسالات.
وكان من أبرز محطات هذه التجربة إقامة معرض "على خطى السيد المسيح نبي الله عيسى ابن مريم" في إمارة دبي، برعاية وحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد مثّل المعرض فرصة لتقديم صورة مختلفة عن الأردن، تبرز ما يحمله من قيم السلام والمحبة والتسامح، إلى جانب ما يمتلكه من إرث ديني وإنساني فريد، اثار اهتمام كبير من اهل الامارات وقاطنية وحرك اقلام النقاد وعدسات الاعلام العالمية.
ولم تتوقف الرحلة عند هذا المشروع، بل امتدت إلى توثيق المسارات الطبيعية والثقافية من خلال إصدار كتاب "المسير والترحال في الأردن"، والمشاركة في عدد من المعارض والفعاليات الدولية، من بينها اختياري ضيف شرف في صالون الخريف في باريس "اهم معرض فنون على مستوى العالم الذي تجاوز عمرة قرن و٢٥ عام"، حيث قدمت عملًا بصريًا استلهم رمزية التعايش في منطقة العبدلي، بوصفها نموذجًا أردنيًا يجمع المسجد والكنيسة ومؤسسات الدولة والمجتمع في مشهد يعكس هوية الأردن القائمة على الاعتدال والانفتاح.
اليوم، وأنا أتابع نشاط معرض "الأردن: فجر المسيحية"، أشعر بأن الجهود الوطنية والمبادرات الفردية تلتقي في هدف وقاسم مشترك واحد، هو إبراز الأردن كما يستحق أن يُعرف: أرضًا للرسالات، وجسرًا للحوار بين الحضارات، ووجهة عالمية للسياحة الدينية والثقافية.
إن الحفاظ على هذا الإرث لا يقتصر على حماية المواقع الأثرية، بل يتطلب أيضًا الاستثمار في التوثيق والعرض والبحث والفنون، ورواية القصة الأردنية للعالم بلغات متعددة، لأن الصورة الصادقة والكلمة الموثقة قادرتان على الوصول إلى أبعد من الحدود.
تكامل الجهود لتحقيق الرؤيا الملكية
وأؤمن بأن تكامل الجهود الرسمية مع المبادرات الفردية هو الطريق الأمثل لتعزيز مكانة الوطن على خارطة السياحة العالمية، وترسيخ رسالته بوصفه نموذجًا للتسامح والتعايش، بما ينسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين برسالة عمّان والأسبوع الدولي للوئام بين الأديان، التي جعلت من الحوار والاحترام المتبادل جزءًا أصيلًا من الهوية الأردنية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة في ظل المنافسة المتزايدة بين الوجهات السياحية العالمية، إذ إن إبراز الإرث الأردني من خلال المعارض، والتوثيق، والمحتوى الثقافي، يسهم في استقطاب شرائح جديدة من السياح والحجاج والمهتمين بالتاريخ والتراث من مختلف أنحاء العالم اللذين يحفزهم المشهد. وتشير تقديرات قطاع السياحة الدينية إلى أن أكثر من 300 مليون مسيحي حول العالم يقومون سنويًا برحلات ذات طابع ديني، بينما يقدر حجم الإنفاق على هذه السياحة بمئات المليارات من الدولارات سنويًا، ما يجعلها واحدة من أسرع القطاعات نموًا في صناعة السياحة العالمية. ومن هنا، فإن امتلاك الأردن لما يزيد على 30 موقعًا دينيًا معترفًا به، من بينها خمسة مواقع للحج المسيحي اعتمدها الفاتيكان، يمنحه ميزة تنافسية كبيرة. وعندما تتكامل المبادرات الرسمية مع الجهود الفردية في توثيق هذه المواقع والترويج لها بأسلوب احترافي، فإن ذلك يسهم في زيادة أعداد الزوار، وإطالة مدة إقامتهم، ورفع حجم الإنفاق السياحي، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني، ويوفر فرص عمل للمجتمعات المحلية، ويعزز مكانة الأردن كوجهة عالمية للسياحة الدينية والثقافية.
* رحالة وباحث في سياحة المغامرة