facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




​صناعةُ الغضبِ وأسلحةُ الهيمنةِ الرقميةِ الجديدة


فراس المجالي
22-07-2026 05:06 PM

​تتساءل حين تمسك الهاتف بحثاً عن معلومة بسيطة: كيف تجد نفسك غارقاً في فيديوهات لم تطلبها لنصف ساعة أو أكثر؟

​وتلاحظ أن غضبك يشتعل بسرعة أكبر حين تقرأ منشوراً سياسياً، أو تشاهد زلة لسان من أحد المسؤولين أو المشاهير، فتشعر بأنه هناك من يعرف بالضبط كيف يستغل مزاجك الحاد!

​فهل تساءلت حين تفاعلت مع الأحداث والمنشورات الإلكترونية ،من الذي يسمع صدى أفكارك، ويبحث ليقدم لك ما يؤكد وجهة نظرك ويتجاهل ما يخالفها؟
ومن الذي اختار أن يطلعك على إهانة أو إساءة في حديث عابر ويتجاهل كل المجاملات والمديح؟ ومن الذي يصر على أن يكرر عرض الكذبة حتى يجبر عقلك على تصديقها؟

​وهل تساءلت يوماً لماذا تشعر بأن الناس من حولك أصبحوا أكثر انقساماً في الرأي، بينما لا أحد يتذكر متى بدأ هذا الشرخ الاجتماعي بالتحديد؟

هذه ليست أسئلة عابرة، بل مفاتيح لفهم ما يحدث في عالمنا اليوم؛ فنحن ندخل مرحلة جديدة من الاستعمار لا تشبه ما درسناه في كتب التاريخ، فلا إنزال للجيوش على الشواطئ، ولا رسم للحدود بالقوة، بل شيء أخطر بكثير، فعقولنا هي الأرض التي يسعى الآخر لاحتلالها، ومساحاتنا الخاصة باتت بلا حدود.

​ويبدو أن الرأسمالية التي عرفناها لن تسقط بسبب ثورة العمال كما توقع كارل ماركس، بل ستقتل نفسها بيدها بعد ان طوّرت تقنيات صارت أقوى منها.

وما ينتج عن هذا الانهيار ليس عالماً أكثر عدلاً، بل عودة غريبة إلى نظام أقدم من الرأسمالية نفسها ، نظام يشبه الإقطاع القديم، ولكن بثوب رقمي.

​فحين نفتح تطبيقاً على هاتفنا، لا ندخل سوقاً حرة لنختار ما نريد، بل ندخل أرضاً يملكها شخص واحد أو شركة واحدة، تضع القوانين وتغيّرها كما تشاء دون أن تستشيرنا.

وإذا كانت السوق القديمة مكاناً يلتقي فيه البائع والمشتري على قدم المساواة، فإن ما نتعامل معه اليوم هو ملكية خاصة، يقرر صاحبها ماذا تشاهد، وماذا تشتري، وحتى كيف تشعر أثناء التصفح.

وفي الأثناء، تقوم الشركات الكبرى بمراقبة حياتنا اليومية وتفاصيلنا الصغيرة، ولحظات ضعفنا وفرحنا وغضبنا، باعتبارها مادة خاماً مجانية تجمعها وتبيعها بلا استئذان.

يستخرجون بياناتنا كما استخرج المستعمر القديم موارد الأرض التي احتلها، معتبراً إياها أرضاً مُباحة لأن أصحابها لم يقاوموا بما يكفي.

​والمأساة أننا لا نشعر بأننا مُستعبدون ، لأننا نمنح وقتنا ومشاعرنا وبياناتنا طواعية، بكل إعجاب نضغطه، وكل تعليق نكتبه، وكل مشاركة تخرج من غضبنا ، فهذا الغضب بالذات هو ما تريده المنصات الالكترونية ، لأنه يبقينا متصلين لوقت أطول، ويمنحها بيانات أكثر لكي تفهمنا وتتحكم فينا بدقة أعلى.

​​لقد سرقوا حدقة العين، ولم يعد أحد بحاجة إلى سرقة الأرض! وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تُقاس بمساحة ما تحتله من جغرافيا، فإن إمبراطورية اليوم تُقاس بعدد الثواني التي تخطفها من وعي الشعوب؛ لأن كل تمريرة إصبع على الشاشة هي بمثابة استسلام موقّعٍ بصمت، وكل إشعار يستدعي المستخدم للمثول أمام سيد جديد.

​وبعد ربع قرن من الانفجار الرقمي وإغراق البشرية بالمعلومات، أصبح "الانتباه" هو العملة السيادية العالمية، وتحول إلى اقتصاد قائم بذاته ملوث بمثيرات تستدعي أسوأ ما الناس من القلق، والغضب، والشعور بالاضطهاد، وتغذية النزعات الفردية أو القبلية التي تُبقيهم متصلين بالشبكة.

لقد تحول الانتباه في المجتمع إلى فقاعات معزولة، وتراجع الحوار العقلاني ، وبات المواطن كائناً مشتتاً يسهل توجيه غضبه حتى ضد أمنه واستقراره.

فعندما تُدار الساحة العامة عبر خوارزميات تحفز الجدل، تظهر النتيجة في انهيار التضامن الاجتماعي، وتآكل المرجعيات الثقافية، وتَحوُّلِ الجمهور إلى رعايا منقادين لرغبات "التريند"، لنلاحظ اختفاء المساحات الحوارية العقلانية لصالح بؤر التعصب والقطبية الفكرية.

​وذهبت تلك الخوارزميات إلى السيطرة على صناعة القرار السياسي والسيادي في الدول، من خلال قدرتها على صناعة التقلبات المزاجية الحادة في الفضاء الرقمي.

وتلك ثغرةٌ خطيرة تستغلها قوى وجهات معادية لاستهداف الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، ولافتعال أزمات تشل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية سيادية، في شكل جديد من أشكال الحروب الهجينة الباردة.

​وأتساءل هنا: كيف تستطيع أي دولة التحدث عن سيادتها الوطنية، بينما يتشكل رأي مواطنيها عبر معادلات صممتها شركات أجنبية لا تعرف عنها الحكومة شيئاً؟

​الحل ليس في أن نحنّ إلى الماضي ونتحسر عليه، ولا بأن نحظر هذه التطبيقات بقرارات إدارية عاجزة عن ملاحقة التطور؛ فالحل يبدأ من وعينا نحن، حين نتعامل مع بياناتنا وخصوصيتنا كثروة وطنية لا تقل أهمية عن النفط أو المياه.

​والحل يأتي حين تتخلى الحكومات عن الخطاب الرسمي الجاف وتتبنى خطاباً إنسانياً يمتلك القدرة على بناء المعنى بلغة العصر الرقمي.. خطاب سريع، بصري، مفعم بالإنسانية والتفاعل الفوري، يملك القدرة على مخاطبة عقول وعواطف الأجيال الجديدة بلغتهم العصرية، ويُمكِّن الدولة من فرض سرديتها الوطنية القوية وحفظ السلم الأهلي بدلاً من البقاء في موضع المدافع العاجز.

​تلك السرديات التي تتطلب الاعتماد على قاعدة جامعة تتسم بالإيجابية والعمق، والتركيز على إبراز قصص التضامن والمصير المشترك والإنجاز، والقدرة على التحشيد العاطفي والفكري بما يتفوق على جاذبية الشائعة وإغراء التضليل.

​ولا ينبغي للدولة أو المؤسسات الفكرية أن تكون الكاتب الوحيد للسردية؛ فيكفي أن تضع الإطار المرجعي، وتترك لقادة الرأي والمواطنين المبدعين وصُنّاع المحتوى حرية ملء الفراغات وإنتاج القصص الفرعية التي تتماهى مع هذا الإطار، ليتحول المواطن تلقائياً إلى مُدافع شرس وناشر واعٍ للرواية الوطنية في الفضاء الافتراضي.

​وهنا تأتي أهمية نشر المناعة المعرفية ورفع الوعي الخوارزمي لدى المجتمع وخصوصاً الشباب، لتعزيز حصانتهم ضد التلاعب والافتراء الرقمي، وبناء جيل هادئ واعٍ، يملك زمام أفكاره ولا يسمح لأحد بأن يحرك مشاعره عن بُعد.

​إن الحروب القادمة ليست حروب جيوش وأرض وحدود، بل هي صراع على امتلاك الرواية الصحيحة في الأذهان؛ فإمّا أن نستعيد ملكية أفكارنا ونحميها بوضوح، وإمّا أن نتحول شيئاً فشيئاً إلى مجرد صدى لعالم يكتبه غيرنا عنا وبدلاً منا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :