هرمز ودوائر الصراع الخفية
د. حازم قشوع
23-07-2026 11:55 AM
ليست الممرات البحرية مجرد خطوطٍ على خرائط الجغرافيا، بل هي مفاتيحُ تحكمٍ بمسارات القوة في العالم. ومن هنا، يبرز مضيق هرمز بوصفه أكثر من معبرٍ نفطي؛ إنه عقدةٌ استراتيجية تتقاطع عندها المصالح، وتتشابك حولها دوائر الصراع الخفية التي لا تُدار دائمًا في العلن، بل تُصاغ في غرف القرار، وتُترجم على شكل سياسات، أو أزماتٍ محسوبة، أو رسائلٍ مشفّرة بين القوى المتنافسة.
هرمز، في جوهره، ليس ساحة صراع مباشر بقدر ما هو أداة قياسٍ للتوازنات. فكل توترٍ فيه يعكس حالة احتقانٍ في الإقليم، وكل تهدئةٍ تُشير إلى تفاهماتٍ غير معلنة. وبين التصعيد والانفراج، تتشكل ديناميكياتٌ تُبقي المنطقة في حالة “لا حرب ولا سلم”، وهي الحالة التي تُفضّلها القوى الكبرى حين تسعى لإدارة الصراع بدلًا من حسمه.
تتعدد الدوائر المحيطة بهرمز، وتتشابك مستوياتها؛ فهناك دائرة الطاقة التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي، ودائرة الأمن التي تحكمها حسابات الردع والتوازن، ودائرة النفوذ التي تتجلى في صراع الإرادات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. وفي كل دائرة، تتداخل الأدوات الصلبة والناعمة، من الوجود العسكري إلى الدبلوماسية، ومن العقوبات الاقتصادية إلى الرسائل الإعلامية.
غير أن أخطر ما في هذه الدوائر هو “الخفي” فيها؛ حيث تُدار التفاهمات بعيدًا عن الأضواء، وتُرسم الخطوط الحمراء ضمن تفاهمات غير مكتوبة. فليس كل ما يُعلن يعكس حقيقة الموقف، وليس كل تصعيدٍ يعني اقتراب المواجهة. بل إن كثيرًا من الأحداث تُستخدم كأوراق ضغط ضمن لعبةٍ أكبر، هدفها إعادة تشكيل التوازنات دون الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة.
في هذا السياق، يغدو هرمز أشبه بمرآةٍ تعكس طبيعة النظام الدولي في مرحلته الراهنة؛ نظامٌ قائم على تعدد الأقطاب، لكنه يفتقر إلى قواعدٍ مستقرة لإدارة التنافس. وهو ما يجعل من الأزمات المتكررة في هذا الممر الحيوي جزءًا من “هندسة الصراع”، لا مجرد نتائج عشوائية لتوتراتٍ طارئة.
من هنا، فإن قراءة هرمز لا ينبغي أن تقف عند حدوده الجغرافية، بل يجب أن تمتد إلى فهم سياقاته السياسية، وأبعاده الاستراتيجية، وعلاقته ببنية النظام الدولي. فالمسألة ليست في المضيق ذاته، بل في ما يمثله من معنى؛ معنى السيطرة، ومعنى الردع، ومعنى إعادة توزيع القوة في عالمٍ يتغير.
وفي خضم هذه التعقيدات، تبقى الحاجة قائمة لرؤيةٍ عربيةٍ قادرة على قراءة المشهد بعمق، بعيدًا عن الانفعال أو الارتهان، رؤيةٍ تدرك أن إدارة الصراع لا تعني الانخراط فيه، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب فهم قواعد اللعبة، لا مجرد التفاعل مع نتائجها.
وهكذا، يظل هرمز عنوانًا لمرحلةٍ تتكثف فيها الصراعات، لكنها تُدار بذكاءٍ يحول دون انفجارها، لتبقى المنطقة في حالة توازنٍ دقيق، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل صراعٌ مستمر يُعاد إنتاجه بأدواتٍ جديدة، وضمن دوائر خفية لا تظهر إلا لمن يقرأ ما وراء الحدث...
وهو ما يحاول الأردن مواءمته بدقة؛ بين الحفاظ على بقائه خارج مسرح العمليات، وبين الدفع بغطاءٍ استراتيجي يحفظ معادلة التوازن السياسي، ليبقى المشهد ضمن إطار حالة الاتزان، دون الانزلاق إلى تداعيات المواجهة. وفي ظل مقتضيات الشراكة الاستراتيجية، يقدّم الأردن رؤيته في عواصم “بيت القرار”، مستندًا إلى دورٍ دبلوماسي فاعل يعكس ثقل موقعه الجيوسياسي.
وتأتي الزيارة المهمة التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى العاصمة البريطانية تأكيدًا على هذا الدور، وعلى سعي الأردن للمساهمة في بناء جملةٍ سلمية وسط هذه المعمعة العسكرية، التي قد تمتد آثارها لتطال الإقليم، وتدفع كلفتها مجتمعات المنطقة.
وذلك على الرغم من المؤشرات القادمة من مانيلا، واللقاء الذي جمع الوزير سيرغي لافروف بنظيره ماركو روبيو، والذي يندرج في سياق رسم خطوط التماس، سواء في كييف أو في هرمز، بما يعكس طبيعة المرحلة التي تُدار فيها الصراعات عبر تحديد هوامش الاشتباك، لا توسيع نطاقه.