الأردن وحق الدفاع المشروع عن السيادة الوطنية
السفير جمعة العبادي
23-07-2026 12:20 PM
السيادة ليست محل تفاوض… والدفاع عن الوطن واجب وطني ودستوري وحق يكفله القانون الدولي ،،،،
“ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول ، فرادى أو جماعات ، في الدفاع عن أنفسها إذا وقع هجوم مسلح عليها"
– المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ،،،،
في خضم ما يشهده الشرق الأوسط من تصعيد عسكري غير مسبوق، وما أفرزته المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران من تداعيات أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة، يجد الأردن نفسه أمام تحديات دقيقة تفرض عليه الموازنة بين ثوابته السياسية ومقتضيات أمنه الوطني ، وعلى الرغم من أن الأردن ليس طرفاً في هذه المواجهة، ولم يكن سبباً في اندلاعها أو اتساعها ، فإن موقعه الجغرافي ، ودوره الإقليمي ، ومسؤوليته في حماية شعبه وسيادته ، يفرضان عليه اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات للدفاع عن أراضيه وأجوائه وسلامة مواطنيه .
لقد انتهج الأردن ، بقيادته الهاشمية ، سياسة خارجية ثابتة تقوم على الاعتدال، واحترام القانون الدولي، وعدم التدخل في شؤون الدول ، والدعوة إلى الحوار والحلول السياسية ، باعتبارها الطريق الأمثل لإنهاء النزاعات وتحقيق الأمن والاستقرار ، ولم يكن الأردن يوماً جزءاً من سياسة المحاور أو التصعيد ، بل ظل على الدوام صوتاً للحكمة والاتزان، يعمل على احتواء الأزمات وتجنيب المنطقة المزيد من النزاعات والحروب.
إلا أن الاعتدال السياسي لا يعني التخلي عن الواجب الوطني ، ولا يجيز التهاون مع أي انتهاك للسيادة الوطنية ، حيث أن القانون الدولي يميز بوضوح بين عدم المشاركة في النزاعات المسلحة وبين ممارسة الدولة لحقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وحماية أراضيها وأجوائها وسكانها من أي تهديد أو اعتداء.
ويستند هذا الحق إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ، التي تكفل لكل دولة حق الدفاع المشروع عن نفسها ، كما يستند إلى مبدأ السيادة الإقليمية ، أحد أهم المبادئ المستقرة في القانون الدولي ، والذي يمنح الدولة سيادة كاملة على إقليمها البري والبحري والجوي . ويعزز ذلك ما نصت عليه اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي أكدت أن لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على مجالها الجوي .
وعليه، فإن اعتراض القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – لأي صواريخ أو طائرات مسيّرة أو أجسام طائرة تشكل خطراً على المملكة أو تعبر أجواءها ، بصورة تهدد سلامة المواطنين أو المنشآت ، لا يمثل انحيازاً لأي طرف في النزاع ، وإنما هو ممارسة مشروعة لحق سيادي ، بل هو واجب دستوري وأخلاقي يقع على عاتق الدولة في حماية مواطنيها وصون استقلالها وسيادتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الأردن يدين أي اعتداء أو عمل عسكري يستهدف أراضيه أو أجواءه أو يعرض أمنه الوطني وسلامة مواطنيه للخطر، أياً كان مصدره. كما يرفض رفضاً قاطعاً استخدام أراضيه أو مجاله الجوي ساحةً أو ممراً للصراعات الإقليمية .
وفي هذا الإطار ، فإن الاعتداءات والانتهاكات الإيرانية غير المبررة ، التي تستهدف الأردن ودول الخليج العربية ، وتمس سيادتها وأمنها واستقرارها، تُعد انتهاكاً للقانون الدولي ، وتهديداً مباشراً للأمن القومي العربي . وقد أكد الأردن ، في مواقفه الرسمية ، وقوفه وتضامنه الكامل مع الأشقاء في دول الخليج ، ورفضه لأي اعتداءات تطال أراضيهم أو منشآتهم الحيوية أو تهدد أمن شعوبهم ، انطلاقاً من إيمانه بأن أمن الدول العربية كلٌّ لا يتجزأ .
وقد قوبلت الاعتداءات على الأردن ودول الخليج العربية ، بإدانات عربية ودولية واسعة ، أكدت جميعها ضرورة احترام سيادة الدول ، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها ، وعدم انتهاك المجالات الجوية أو استهداف المدنيين والمنشآت المدنية ، لما يشكله ذلك من خرق واضح لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ، ومن تهديد للأمن والسلم الإقليمي والدولي .
إن الأردن، وهو يمارس حقه المشروع في الدفاع عن سيادته، لا يحمي حدوده الوطنية فحسب ، بل يسهم أيضاً في حماية الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي ، ويؤكد التزامه الدائم بمبادئ الشرعية الدولية ، ورفضه أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للنزاعات والمواجهات العسكرية .
ولعل مخاطر هذه المرحلة لا تنحصر بالتحديات العسكرية والأمنية فقط ، بل تمتد إلى تداعيات اقتصادية كبيره ، تشمل اضطراب حركة التجارة الدولية ، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والتأمين ، وتأثر سلاسل الإمداد والاستثمار والسياحة ، علاوة على تنامي مخاطر التضليل الإعلامي والحروب النفسية والسيبرانية ، الأمر الذي يتطلب وعياً وطنياً عالياً ، وثقةً بمؤسسات الدولة ، والتزاماً بالمسؤولية في التعامل مع المعلومات ، بعيداً عن الشائعات ومحاولات بث الفرقة والانقسام .
وفي الظروف الراهنة ، وكما هو الحال دائماً ، تبقى الوحدة الوطنية الركيزة الأساسية للأمن الوطني ، والجبهة الداخلية المتماسكة هي خط الدفاع الأول عن الوطن ، حيث استطاع الأردن عبر تاريخه الطويل تخطي وتجاوز الأزمات بفضل وعي شعبه وتلاحمه ، وثقته بقيادته ، والتفافه حول مؤسساته الوطنية وأجهزته الأمنية .
وفي هذا السياق يواصل الجيش العربي ، والأجهزة الأمنية ، الأصدق قولاً والأخلص عملاً ، أداء واجبهم المقدس بكل كفاءة واقتدار، ساهرين على حماية الحدود وصون الأجواء والدفاع عن أمن الوطن والمواطن، في صورة مشرّفة تجسد قيم التضحية والفداء ، وتؤكد بأنها كانت وستبقى الدرع الحصين وحامية النار الأردنيه ، والقوة التي يركن ويطمئن إليها كل أردني على هذا الثرى الطهور .
إن الالتفاف حول القيادة الهاشمية الحكيمة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة ، يمثل اليوم واجباً وطنياً، تفرضه طبيعة المرحلة وما تحمله من مخاطر وتحديات ، فالدول تواجه الأزمات بوحدة شعبها ، وقوة مؤسساتها ، وحكمة قيادتها ، لا بالانقسام أو التشكيك أو الاصطفافات ، التي لا تخدم إلا أعداء الوطن والأمة .
لقد أثبتت القيادة الهاشمية ، في المحطات والمنعطفات الحاسمة ، التي مرت بها الدولة الأردنية في مئويتها الاولى وحتى يومنا هذا ، قدرتها على إدارة الأزمات بحكمة واتزان ، وحماية مصالح الأردن العليا ، والحفاظ على استقلال قراره الوطني ، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية .
وسيظل الأردن بعون الله ، بقيادته وجيشه وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي ، عصياً على كل محاولات المساس بأمنه وسيادته واستقراره ، وسيبقى ثابتاً على مواقفه لا ينحاز إلا للدفاع عن وطنه وأمن مواطنيه وسلامة أراضيه ، وقضايا وحقوق أمته العربية .