هل عبارة "نحتفظ بحق الرد" لحفظ الهيبة أم نية استخدام القوة؟
د. دانييلا القرعان
23-07-2026 06:51 PM
تعلمون، كانت عبارة "نحتفظ بحق الرد" حتى وقت قريب مرتبطة في الوعي العربي بخطاب النظام السوري البائد الذي كان يكررها عقب كل غارة إسرائيلية تقريباً، حتى تحولت مع مرور الزمن إلى مادة للسخرية بسبب غياب الرد الذي كانت تعد به، المفارقة اليوم أن العبارة نفسها لم تعد حكراً على دولة بعينها، بل أصبحت جزءاً من القاموس السياسي الرسمي لمعظم الدول العربية الشرق أوسطية، بل وحتى في بيانات بعض الدول غير العربية.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل هذه العبارة تعني فعلًا وجود نية لاستخدام القوة؟ أم هي أداة سياسية لحفظ هيبة الدولة أمام الرأي العام؟
في القانون الدولي، لا تمنح عبارة "نحتفظ بحق الرد" أي صفة قانونية خاصة، ولا تنشئ حقاً جديداً للدولة. فالحق في الدفاع عن النفس مكفول أصلًا بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، سواء أعلنت الدولة احتفاظها بحق الرد أم لم تعلن. لذلك، القيمة الحقيقية للعبارة ليست قانونية، وإنما سياسية وإعلامية ونفسية.
حين تتعرض دولة لاعتداء على أراضيها أو سيادتها، تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي لا تريد تبدو عاجزة أمام شعبها، وفي الوقت نفسه لا ترغب في الانجرار إلى حرب واسعة، أو قد تكون مرتبطة بتحالفات إقليمية ودولية تجعل الرد العسكري المباشر مكلفاً سياسياً واقتصادياً هنا تظهر عبارة "نحتفظ بحق الرد" كحل وسط؛ فهي تمنح القيادة مساحة للمناورة، وتبعث برسالة مفادها أن الدولة لم تتجاهل الاعتداء، وستختار الزمان والمكان والطريقة التي تراها مناسبة، إن قررت الرد أصلاً.
مع ازدياد التوترات في المنطقة خلال العامين الأخيرين، أصبحت هذه العبارة تتكرر في بيانات رسمية لدول عديدة، هذا الانتشار لا يعكس بالضرورة تزايد الرغبة باستخدام القوة، بل يعكس العكس تماماً؛ أي الحرص على تجنب الحرب مع الحفاظ على صورة هيبة الدولة أمام الداخل والخارج.
لم يعد الرأي العام اليوم ينتظر فقط أن تدين حكومته الاعتداء، بل يريد أن يشعر بأن الدولة ما زالت قادرة على حماية سيادتها. من هنا أصبحت عبارة "نحتفظ بحق الرد" تؤدي وظيفة سياسية مهمة؛ فهي تمنح المواطنين شعوراً بأن الدولة لم تستسلم، حتى وإن لم يتبعها رد عسكري مباشر.
هذه العبارة تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، فكلما تكررت دون أن يعقبها أي إجراء ملموس، فقدت بعض تأثيرها وتحولت تدريجياً من رسالة ردع إلى عبارة بروتوكولية معتادة، وربما إلى مادة للتشكيك والسخرية كما حدث في تجارب سابقة. فالردع لا يقوم على الكلمات وحدها بل على اقناع الخصم أن الدولة قادرة ومستعدة لتنفيذ ما توحي به بياناتها.
ربما نلاحظ أن بعض القوى الفاعلة في المنطقة تتجنب استخدام هذه العبارة أصلاً، وتفضل إعلان الرد أو تنفيذه مباشرة، بينما تميل الدول إلى استخدامها لأنها تحمل مسؤوليات سياسية واقتصادية وقانونية تجعل قرار الحرب أكثر تعقيداً من قرار تتخذه جماعة أو تنظيم مسلح.
لقد انتقلت عبارة "نحتفظ بحق الرد" من كونها شعاراً ارتبط بدولة واحدة إلى لغة دبلوماسية إقليمية تعكس طبيعة الحالة التي تمر بها الشرق الأوسط؛ مرحلة تزايد الضربات العسكرية المحدودة، بينما تتراجع الرغبة في خوض حروب شاملة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل سترد الدولة؟ بل: هل أصبحت المحافظة على صورة الرد، في بعض الأحيان، أهم من الرد نفسه؟ فإذا كان الهدف من العبارة كسب الوقت، أو تهدئة الداخل، أو تجنب التصعيد، فإنها تكون قد أدت وظيفتها السياسية، أما إذا تحولت إلى مجرد جملة جاهزة تتكرر بعد كل أزمة دون أي أثر عملي، فإنها ستفقد قيمتها الردعية، ولن يبقى منها سوى صداها في البيانات الرسمية.