أحمد وحيدي .. لقد أخطأت العنوان .. وأخطأت التوقيت ..
محمود الدباس - أبو الليث
24-07-2026 12:17 PM
حين قررت أن تخاطب الشعب الأردني برسائلك.. كنت تظن أنك تخاطب شعباً يمكن أن تنطلي عليه الشعارات.. أو أن تشتري عاطفته بخطاب مليء بالكلمات الرنانة.. أو أن تدفعه ليكون جزءاً من مشروع لا علاقة له بمصلحة وطنه.. وهنا كانت أولى هزائمك.. لأنك أخطأت العنوان.. وأخطأت التوقيت..
لقد أثبت الأردنيون عبر تاريخهم أنهم قد يختلفون في السياسة.. وقد ينتقدون حكوماتهم.. وقد يتجادلون في كل شيء.. إلا في وطنهم.. فعندما يتعلق الأمر بالأردن.. تسقط الحسابات الضيقة.. ويبقى الوطن فوق الجميع..
منذ اندلاع الحرب على إيران.. لم يكن الشارع العربي في معظمه متشفياً بما يحدث.. على الرغم من الفضائع التي ارتكبها نظام إيران في سوريا والعراق واليمن ولبنان.. والتي أنتجت ملايين القتلى والمشردين والمهجرين.. بل كان متعاطفاً مع الشعب الإيراني.. رافضاً للحرب.. كما أعلنت دول عربية.. وفي مقدمتها الأردن.. رفضها استخدام أراضيها.. أو أجوائها من أي طرف لتوسيع رقعة الصراع.. كان ذلك موقفاً واضحاً لا يحتمل التأويل..
لكنكم لم تحترموا هذا الموقف.. بل حاولتم جر الأردن إلى معركتكم.. مرة بالادعاء بوجود قواعد أمريكية.. ومرة بادعاء استهداف مواقع عسكرية.. ومرة بادعاء تدمير طائرات لا وجود لها إلا في بياناتكم.. مع أن الأردن يعلن رسمياً عن تواجد جنود أمريكيين ضمن اتفاقيات.. وتحت الادارة الأردنية..
الأردنيون لم يحتاجوا إلى بيانات رسمية ليدركوا حجم الكذبة.. لأن أهل العقبة يعرفون مطارهم كما يعرفون بيوتهم.. يمرون بجواره كل يوم.. ويرونه بأعينهم.. ولو كانت فيه طائرات كما زعمتم.. لرآها الناس قبل أن تراها أقماركم الصناعية.. أو راداراتكم المزعومة.. لكنكم لم تكتفوا باختراع الرواية.. بل بالغتم حتى ادعيتم تدمير تلك الطائرات.. وكأنكم تخاطبون أناساً لا يرون.. ولا يسمعون.. ولا يعقلون..
وهنا يحق لكل عربي ما زال يصفق للحرس الثوري أن يسأل سؤالاً بسيطاً.. إذا كانت معركتكم فعلاً مع الوجود الأمريكي.. فلماذا لم تتجه رسائلكم إلى الطائرات التي أعلنت واشنطن بنفسها مشاركتها في العمليات؟!.. وترقص في سماء إيران طرباً على صوت الانفجارات.. فتقصف متى تشاء.. وكيف تشاء.. وأين تشاء.. وتعود لتنام آمنة مطمئنى في حضن حاملات الطائرات قبالة السواحل الإيرانية.. وتعود المرضعات إلى مطارات الكيان الصهيوني لتملأ خزاناتها بحليب الطائرات بعد حفلة ساهرة..
هذه أسئلة لا يجيب عنها الصراخ.. ولا الشعارات.. ولا الخطب الحماسية. يجيب عنها المنطق فقط..
المشكلة ليست في الحرس الثوري.. فهو يفعل ما يخدم روايته ومشروعه.. أما المشكلة الحقيقية فهي فيمن يبتلع كل رواية دون أن يسأل.. ويحول نفسه إلى مجرد ببغاء تردد ما يقال له.. فليس كل ما يقال حقيقة.. وليس كل من رفع شعار المقاومة أصبح معصوماً من الكذب.. ولا كل من اختلف مع أمريكا أصبح صادقاً في كل ما يدعيه..
يا أحمد وحيدي.. اظنك تعرف هذا الشعب جيداً.. هذا هو الأردن الذي وقف مع أشقائه عندما احتاجوه.. وهذا هو الشعب الذي يعرفه العراقيون جيداً.. ويتذكرون أغنية عبد الجبار الدراجي..
وقفت عمان وبغداد بخندق واحد..
والأردن قالت كلمتها شعب وقائد..
ويتذكرون أيضاً آلاف الأردنيين الذين تطوعوا تحت أسم قوات اليرموك.. دفاعاً عن العراق عندما تعرض لاعتداء إيران.. ويتذكر التاريخ كيف انتهت تلك الحرب.. وكيف وصف الخميني قبوله وقف إطلاق النار.. بأنه تجرع كأس السم..
ولهذا.. فإن محاولتكم اليوم.. إعادة رسم صورة الأردن في أذهان العرب لن تنجح.. فالأردني لا يبيع وطنه مقابل خطاب.. ولا يستبدل سيادته بشعار.. ولا يسمح لأحد أن يحول بلده إلى صندوق بريد.. يتبادل عبره المتصارعون رسائلهم.. ولا يركض كغيره خلف فتات ما ترمونه له..
أما أولئك الذين ما زالوا يصفقون لكل ما يصدر عن الحرس الثوري.. فليتذكروا أن الوطنية لا تعني تعطيل العقل.. وأن نصرة القضايا العادلة لا تكون بتصديق كل رواية دون دليل.. فالأمم لا تبنى بالعاطفة وحدها.. وإنما بالعقل الذي يميز بين الحقيقة والدعاية..
وأخيراً.. أقول لك يا أحمد وحيدي..
لقد أخطأت العنوان.. لأنك خاطبت شعباً يعرف وطنه أكثر مما تعرفه أنت.. وأخطأت التوقيت.. لأن الأردنيين اليوم أكثر وعياً من أن تنطلي عليهم روايات ثبت سقوطها أمام أعينهم.. قبل أن تسقط أمام العالم..
الأردن سيبقى عربياً هاشمياً.. مستقلاً في قراره.. لا يتلقى أوامره من طهران.. ولا من غيرها.. وسيبقى الأردني.. كما كان دائماً.. يختلف مع من يشاء.. لكنه لا يختلف على وطنه..