الإصلاح الإداري: من إصلاح الذات إلى بناء المؤسسة
أ. د. عادل الهاشم
26-07-2026 11:10 AM
أصبح الحديث عن مفهوم الإصلاح الإداري اليوم حاضرًا في معظم المؤتمرات والندوات والاجتماعات، حتى إنك قد تظن أحيانًا أن الفساد حزم حقائبه وامتعته وغادر بلا رجعة، وأن الحوكمة حاضرة في أبهى صورها. فالعروض التقديمية والنقاشات مستمرة، والمصطلحات تتكرر، والتوصيات تُكتب بدقة متناهية، لكن بعد هذا الاجتماع يبقى تطبيق القرارات في حالة انتظارفي بعض بيئات العمل حتى موعد بدء الاجتماع القادم.
ولذلك فان مفهوم الإصلاح الإداري يتم تداوله بشكل كبير في الخطابات على مختلف المستويات والقطاعات، لما يمثله من ركيزة أساسية لتحسين الأداء، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف التي وُجدت من أجلها.
وهذه المفارقة ليست انتقادًا لفكرة الإصلاح الإداري، وإنما للفجوة التي قد تنشأ أحيانًا بين الخطاب والممارسة، لأن الإصلاح لا يُقاس بما يُقال في الاجتماعات، ولا بما يُكتب في التقارير، بل بقدرة المؤسسة على تحويل المبادئ إلى سلوك، وتحويل المسؤولية من شعار إلى ثقافة عمل راسخة.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن نُحمّل الحكومات أو الإدارات العليا وحدها مسؤولية ضعف الأداء أو تعثر الإصلاح، وكأن المؤسسات تعمل بمعزل عن العاملين فيها في المستويات الإدارية الوسطى والدنيا. والحقيقة أن المؤسسة تُبنى بسواعد موظفيها، وكل منهم يمارس دورًا وظيفيًا أو إداريًا يُسهم، بدرجة أو بأخرى، في ترسيخ ثقافة الالتزام أو في إضعافها، ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ باتهام الآخرين، بل يبدأ بمراجعة الذات، لأن كل فرد هو جزء من منظومة المسؤولية.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة خالدة لكل مشروع إصلاحي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، وهي قاعدة لا تقتصر على الإصلاح الفردي، بل تؤسس لفلسفة مؤسسية عميقة مفادها أن أي تغيير يبدأ من الإنسان قبل النظام المؤسسي.
وكما تؤكد تجارب الإصلاح الإداري، فإن تغيير الأنظمة والإجراءات قد يكون ممكنًا بقرار، أما تغيير القناعات والسلوكيات فهو التحدي الأكبر، لأن الإنسان قد يطالب الجميع بالتطوير، بينما يقاوم أي تغيير يمس عاداته أو أسلوبه في العمل. ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية، لأن الإصلاح لا يتحقق بمجرد المطالبة به، وإنما بالاستعداد لتطبيقه على الذات أولًا.
إن الإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل المؤسسة، لأن الإنسان هو الذي يصنع القرار، ويطبق النظام، ويقدم الخدمة، ويحول النصوص القانونية إلى واقع عملي. ولذلك فإن تطوير الإدارة لا يقتصر على اكتساب المهارات الفنية، بل يتطلب أيضًا بناء منظومة من القيم تقوم على النزاهة، والشفافية، وتحمل المسؤولية، والعدالة، والعمل بروح الفريق، والقدرة على التعلم المستمر والابتكار.
وتؤكد أفضل الممارسات العالمية أن المؤسسات التي نجحت في الإصلاح لم تحقق ذلك بكثرة الاجتماعات ولا بحجم التقارير، وإنما من خلال وضع مؤشرات أداء واضحة، وربط المساءلة بالإنجاز، وتمكين الكفاءات، وتبسيط الإجراءات، والاستثمار المستمر في الإنسان باعتباره المحرك الحقيقي لأي عملية تطوير.
وعلى أرض الواقع يبدأ الإصلاح عندما يراجع كل مسؤول وكل موظف أداءه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير، ويصبح التعلم المستمر جزءًا من ثقافة العمل، وتُمنح الفرصة للكفاءة والاجتهاد، وتُشجع المبادرات البناءة، ويُنظر إلى الخطأ باعتباره فرصة للتعلم والتحسين المستمر.
وفي النهاية يبقى الإصلاح الإداري أقل احتياجًا إلى الخطب، وأكثر احتياجًا إلى التطبيق، لأن المؤسسات لا تتغير بعدد الاجتماعات ولا بعدد التوصيات التي تُحفظ في الأدراج، وإنما عندما تتحول القيم إلى ممارسات يومية، والمساءلة إلى ثقافة، والحوكمة إلى سلوك يلمسه الجميع. وعندها فقط يصبح الإصلاح الإداري واقعًا لا عنوانًا جذابًا يتكرر في كل اجتماع، بينما يبقى التطبيق العملي هو التحدي الحقيقي.
لذلك فإن إعادة بناء المؤسسة تبدأ دائمًا بإعادة بناء الذات والإنسان، لأنه سيبقى، في نهاية المطاف، حجر الأساس في نجاح أي مؤسسة.