الطراونة يشخّص تعديلات قانون الضمان وأثرها على موجودات الصندوق
19-07-2026 12:13 PM
عمون - استضافت الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة، الدكتور محمد الطراونة المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في ندوة حوارية متخصصة بعنوان "تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وأثرها على الصندوق"، والتي وأدارها الدكتور خالد الكركي، عضو الجمعية.
واستهل الطراونة حديثه بالتركيز على الجذور الديموغرافية للاختلالات التأمينية، موضحا أن أنظمة التقاعد عالميا ومحليا ترتبط استدامتها بحركة المؤشرات السكانية.
وبين الطراونة أن الأردن يمر بمنعطف ديموغرافي حرج يتمثل في مسارين متوازيين: الأول هو التحسن المستمر في توقع الحياة نتيجة تطور الرعاية الصحية، والمسار الثاني والأخطر هو التراجع الحاد وغير المسبوق في معدلات الخصوبة داخل المجتمع الأردني.
فبعد أن كانت معدلات الخصوبة قبل أربعة عقود تفوق حاجز 9 إلى 9.5 مواليد للأسرة الواحدة، هبطت اليوم لتستقر على عتبة 2.5 إلى 3 مواليد فقط، وسط توقعات رسمية بالنزول عن معدل الإحلال السكاني الحرج بحلول عام 2050.
ونبّه الطراونة إلى أن الانضباط أو النمو السكاني الحالي في المملكة لا يعود للخصوبة بل للهجرات واللجوء القسري، محذرا من أن انخفاض الخصوبة يعني بالضرورة شيخوخة المجتمع وتراجع إنتاجية الأفراد التي تتناسب عكسيا مع تقدم السن.
وفي تحليله الفني للمنظومة التأمينية، أوضح الدكتور الطراونة بأن نظام التقاعد الأردني يعاني من عدم توازن بنيوي بين سلة الإيرادات وسلة النفقات؛ حيث أصبحت "المعادلة التقاعدية" المطبقة تتسم بسخاء مفرط لا يرتكز إلى أسس علمية موزونة اكتواريا.
وأوضح أن نسبة اقتطاع تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة البالغة 17.5% من الرواتب لا يمكنها تمويل المنافع والمزايا الممنوحة للمتقاعدين، والتي تصل إلى معامل احتساب مرتفع جداً يبلغ 2.5% عن كل سنة خدمة لأول 1500 دينار من الراتب و2% لما زاد عن ذلك.
وأشار إلى أن هذا الاختلال الهيكلي ظل مخفيا لعقود طويلة بسبب حداثة النظام وترجيح كفة المشتركين الفاعلين على المتقاعدين، غير أن النظام دخل اليوم مرحلة "النضوج التأميني" بعد مرور أكثر من جيلين (40 - 60 عاما) على تأسيسه، مما جعل العجز يطفو بصورة واضحة ومقلقة.
كما كشف الخبير الاكتواري عن المخطط الزمني والمرعب والمحطات الحرجة التي خلصت إليها الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة للمؤسسة، وهي معطيات تستوجب الاستفاقة الفورية وصياغة قرارات شجاعة.
وتتمثل أولى هذه المحطات في عام 2030، حيث لن تكفي أموال الاشتراكات النقدية المقتطعة من المشتركين لتغطية فاتورة الرواتب التقاعدية الشهرية، مما سيجبر الصندوق على التوجه صوب صندوق الاستثمار وسحب جزء من عوائده الاستثمارية لسد الفجوة وتغطية العجز تدريجياً.
وتليها محطة عام 2038، حيث ستتفاقم الفجوة المالية بحيث لن تكفي أموال الاشتراكات السنوية مضافاً إليها كامل عوائد الاستثمار في تغطية فاتورة المتقاعدين، مما يضطر الصندوق للانتقال إلى مرحلة تسييل وكسر أصل الموجودات والمدخرات التاريخية.
وتتمثل المحطة الختامية والأخطر في سيناريو عام 2049 - 2050، وهو ما ينذر بنفاذ وتلاشي موجودات الضمان الاجتماعي تماما؛ حيث ستصبح المحفظة الاستثمارية صفرا، ويسقط النظام في دائرة الاعتماد على التدفق النقدي المباشر للاشتراكات، والتي لن تكون قادرة وقتها إلا على الوفاء بنسبة تتراوح بين 25% و30% فقط من قيمة الرواتب التقاعدية المستحقة للمواطنين.
وشخّص الطراونة المحور الاستثماري للصندوق بوصفه يعاني من ضعف تاريخي في العوائد؛ حيث يتراوح العائد الاستثماري الاسمي بين 5% و5.5%، وعند إسقاط معدلات التضخم التاريخية في الأردن يتضح أن العائد الاستثماري الحقيقي الفعلي يقبع بين 1% و2% فقط، وهو عائد متواضع جدا يعجز عن حماية القيمة الشرائية لأموال الصندوق مقارنة بالصناديق العالمية. والخطورة الإضافية تكمن في أن أموال الضمان تفتقر لعنصر السيولة والقدرة على التسييل السريع الفوري عند بلوغ محطة العجز، وذلك لكون أكثر من نصف أموال الضمان (60%) مستثمرة في أداة دين واحدة وهي سندات الخزينة الحكومية، وبإجمالي اقتراض حكومي هائل من أموال الصندوق بلغ حجما صادما يناهز 11 مليار دينار أردني.
وانتقد الطراونة بشدة طغيان التأثير السياسي والتدخل الحكومي المباشر في توجيه دفة القرار الاستثماري داخل الضمان، معزيا الأزمة إلى عقلية الحكومات المتعاقبة ورؤساء الوزراء ووزراء العمل الذين يتعاملون مع أموال الضمان الاجتماعي كأموال عامة أو ضرائب، ولم يستوعبوا بعد أنها أموال خاصة ومقدسة تعود للمشتركين ويحق استباحتها للاقتراض وإلغاء "كلفة الفرصة البديلة".
واستذكر الطراونة إخفاقات استثمارية كبرى نتجت عن تغليب السياسة على العلم؛ مثل قرار التوسع في شراء أسهم البنك العربي لمنع هيمنة مستثمرين لبنانيين، والتي وصفها بـ "الصفقة الخاسرة" التي قيدت سيولة الصندوق، في حين تم التفريط وإهمال شركات استراتيجية تمثل "البقرة الحلوب" مثل الفوسفات والبوتاس؛ حيث تم تجاهل التوصيات الاكتوارية بشراء ملايين الأسهم فيها عندما كان سعر السهم 3 دنانير، ليترك هذا الأصول الحيوية للمستثمرين الأجانب من كندا والصين والهند.
واختتم الدكتور الطراونة الندوة بتقديم المخرج والحل الاكتواري الوحيد القادر على إنقاذ الصندوق وديمومته دون إحداث صدام مجتمعي أو اضطرابات سياسية واجتماعية تخشاها الحكومات؛ ويتمثل الحل في حصر وتطبيق كافة التعديلات والإصلاحات الاكتوارية الصارمة (حتى لو كانت دورية وسنوية) على "المنتسبين الجدد" فقط.
ومن خلال هذه الفلسفة، يلتزم النظام بالوفاء بالرواتب والمنافع القائمة والموعودة للجيل الحالي، بينما يتم وضع شروط الاستدامة والمتطلبات الجديدة الموزونة فنيّا في رأس الأجيال القادمة، بما يضمن حماية مستقبل المنظومة وتجنيبها شبح الانهيار والنفاذ المبكر.
وفي نهاية الندوة، وتقديرا لطروحاته القيّمة وجهوده المتميزة في الخدمة العامة، كرّمت الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة الدكتور محمد الطراونة بتقديم درع تكريمي له باسم الهيئة الإدارية والعامة للجمعية.
يذكر أن الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة تشكّل منبرا فكريا يسهم في تنمية الوعي المجتمعي، ومناقشة القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية بمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين الأردنيين كل أسبوع.