facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل نضع العربة امام الحصان في اصلاح القطاع العام؟


معتز عبدالقادر عساف
19-07-2026 09:00 PM

منذ أكثر من عام وأنا أتابع باهتمام الجهود الكبيرة التي تبذلها هيئة الخدمة والإدارة العامة والمؤسسات الحكومية المعنية بالتنمية والتطوير الإداري في مجال الثقافة المؤسسية. عشرات الاجتماعات، والمؤتمرات، والملتقيات، وورش العمل، وبرامج التوعية، والفرق المتخصصة، جميعها تعكس اهتمامًا واضحًا بهذا الملف، كما أنها استهلكت وقتًا وجهدًا وموارد مالية ليست بالقليلة.

ولا شك أن بناء ثقافة مؤسسية إيجابية يمثل أحد أهم مرتكزات تحديث القطاع العام، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الأداء الحكومي. لكن يبقى السؤال الأهم: هل بدأنا من النقطة الصحيحة؟

قبل أيام فوجئت بإعلان الجهات المعنية عن إطلاق منظومة الكفايات الحكومية التي تضمنت الكفايات السلوكية والإدارية والفنية. ولم تكن المفاجأة في إطلاق المنظومة، بل في توقيت إطلاقها، بعد أكثر من عام من العمل المكثف على الثقافة المؤسسية.

ذلك لأن الكفايات السلوكية ليست عنصرًا مكملًا للثقافة المؤسسية، وإنما هي الأساس الذي تُبنى عليه. فمن الكفايات تُشتق السلوكيات، ومن السلوكيات تتشكل الثقافة، ومن الثقافة تتكون بيئة العمل التي تنعكس على الأداء وجودة الخدمات.

وأقول ذلك ليس من باب التنظير، وإنما من واقع تجربة عملية. فقد أتيحت لي فرصة قيادة دراسة استشارية لصالح هيئة الخدمة والإدارة العامة، من خلال شركة استشارية عالمية وبدعم وتمويل من إحدى الجهات المانحة، هدفت إلى رفع قدرات الهيئة والوحدات التنظيمية المعنية بالموارد البشرية والتطوير المؤسسي في القطاع العام.

وخلال تلك الدراسة قمنا بتطوير إطار متكامل للكفايات استند إلى منهجية علمية دقيقة بدأت بتحليل خارطة طريق تحديث القطاع العام، واستراتيجية الموارد البشرية، ودليل الكفايات للوظائف القيادية، ودليل الكفايات السلوكية لوظائف الخدمة المدنية، إضافة إلى المقارنات المعيارية مع أفضل الممارسات العالمية.

لم تكن منظومة الكفايات مجرد قائمة من المهارات أو السلوكيات، بل كانت نتاج عملية تحليل ربطت بين الاستراتيجية، والهيكل التنظيمي، ومتطلبات الوظائف، وأفضل الممارسات الدولية، بما يضمن أن تكون الكفايات هي نقطة الانطلاق لكل ما يأتي بعدها.

لذلك كنت أعتقد أن جميع الجهود التي بُذلت خلال العام الماضي في مجال الثقافة المؤسسية تستند إلى منظومة كفايات معتمدة، وأنها كانت الأساس الذي بُنيت عليه البرامج والمبادرات وورش العمل.

لكن عندما يتم اعتماد منظومة الكفايات بعد كل تلك الجهود، فإن ذلك يطرح تساؤلًا مشروعًا حول منهجية العمل. فمن الناحية المهنية، يبدأ بناء الثقافة المؤسسية أولًا بتحديد الكفايات السلوكية، ثم تُبنى الثقافة المؤسسية استنادًا إليها، وليس العكس.

إن البدء بالثقافة المؤسسية قبل تحديد الكفايات يشبه إلى حد كبير وضع العربة أمام الحصان.

وقد تكون المشكلة هنا أعمق من منظومة الكفايات نفسها، فهي تعكس نمطًا يتكرر في عدد من مشاريع التطوير والإصلاح، حيث ينصب الاهتمام على تنفيذ الأنشطة أكثر من الاهتمام ببناء الأساس الذي تستند إليه تلك الأنشطة.

فننفذ ورش العمل، ونعقد المؤتمرات، ونطلق المبادرات، ونصدر الأدلة، ثم نعلن نسب الإنجاز، لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل: هل كانت هذه هي الأولويات الصحيحة؟ وهل بُنيت هذه الجهود على أساس علمي ومنهجي؟ وهل حققت النتائج التي كانت تستهدفها؟

إن المشكلة ليست في كثرة العمل، وإنما في العمل الذي لا يبدأ من النقطة الصحيحة.

وقد لخّص المفكر الإداري بيتر دركر هذا المعنى عندما ميّز بين الإدارة والقيادة. "فالإدارة، في جوهرها، تعني أن تصعد السلم بأسرع وقت، وبأقل جهد، وبأفضل استثمار للموارد، أما القيادة فتعني أن تتأكد أولًا أن السلم موضوع على الجدار الصحيح."

فإذا وُضع السلم على الجدار الخطأ، فلن يغير من النتيجة شيء أن نصعد بسرعة أكبر أو بكفاءة أعلى.

وهذا ما أخشى أن يحدث في بعض مشاريع الإصلاح الإداري. فنحن نعمل كثيرًا، ونجتهد كثيرًا، وننفذ الكثير من الأنشطة، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: هل بدأنا من الأساس الصحيح؟

فالثقافة المؤسسية لا تُبنى بالمؤتمرات وحدها، ولا بورش العمل، ولا بالشعارات، وإنما تُبنى عندما تكون السلوكيات المطلوبة محددة بوضوح، ومترجمة إلى كفايات، ومربوطة بالاختيار، والتقييم، والتدريب، والترقية، والمساءلة.

أما إذا غاب هذا الأساس، فإننا نخاطر بأن تتحول الأنشطة إلى غاية بحد ذاتها، وأن يصبح الإنجاز هو تنفيذ البرامج، لا تحقيق نتائجها.

ولعل هذا ما يفسر لماذا تنجح بعض المؤسسات في تحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة، بينما تبقى مؤسسات أخرى تدور في حلقة من الاجتماعات والورش والبرامج دون أن ينعكس ذلك على الأداء المؤسسي بالقدر المأمول.

ويزداد الأمر أهمية إذا تذكرنا مقولة أخرى كثيرًا ما تُنسب إلى بيتر دركر، وهي أن "هناك الكثير من الإدارة، وقليل من القيادة."

فالإدارة مطلوبة، والأنشطة ضرورية، والتنفيذ عنصر أساسي في أي مشروع إصلاحي، لكن القيادة هي التي تحدد الاتجاه الصحيح قبل البدء بالحركة.

ولهذا، فإن ما يحتاجه إصلاح القطاع العام اليوم ليس المزيد من الأنشطة بقدر ما يحتاج إلى المزيد من القيادة الاستراتيجية؛ قيادة تبدأ بتحديد الأولويات، وتبني الأساس الصحيح، ثم تصمم البرامج والمبادرات التي تقود إلى نتائج حقيقية.

وفي الختام، أترك مجموعة من التساؤلات التي أعتقد أن الإجابة عنها تمثل بداية الطريق نحو إصلاح أكثر فاعلية:

متى سنتوقف عن عرض الأنشطة والأعمال وكأنها الإنجاز، ونبدأ بالحديث عن النتائج؟

متى يصبح السؤال الرئيس في أي مشروع: ماذا حقق؟ وليس ماذا نفذ؟
هل تُعرض على القيادات العليا نتائج البرامج وأثرها، أم يقتصر العرض على الأنشطة ونسب الإنجاز؟
متى سيتم تقييم جدوى المشاريع والبرامج والمؤتمرات وورش العمل، وخاصة تلك الممولة من الجهات الدولية، وفقًا للأثر الذي أحدثته؟
من يحدد أولويات توجيه المنح الدولية؟ وهل تنطلق من أولويات الدولة واحتياجات المواطن، أم من الفرص التمويلية المتاحة؟
كم مشروعًا توقف لأنه لم يحقق أهدافه؟ وكم مشروعًا جرى تطويره بعد تقييم موضوعي لنتائجه؟

والأهم من ذلك كله... متى سنجد القيادات التي تضع الحصان أمام العربة، فيبدأ بالأساس الصحيح، ثم يبني عليه البرامج والأنشطة، فتتحول الجهود إلى نتائج، والموارد إلى قيمة، والإصلاح إلى واقع ملموس؟

لعل الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي بداية الحل، لأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بحجم ما نعمل، وإنما بمدى صحة ما نعمل، وبالنتائج التي نحققها.

ليست المشكلة أننا لا نعمل، بل قد تكون أننا نعمل كثيرًا قبل أن نتأكد أننا نعمل على الشيء الصحيح.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :