facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حوكمة البلديات .. الطريق من إدارة الخدمات إلى صناعة التنمية


د. حمد الكساسبة
12-07-2026 09:20 PM

يفتح مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، المعروض على مجلس النواب، فرصةً لإعادة تعريف دور البلدية في الأردن، بحيث لا تبقى وظيفتها محصورةً في تحسين النظافة والطرق وإصدار الرخص، بل تمتد إلى إدارة المكان، وتحريك الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمار، وتحسين نوعية الحياة. غير أن الانتقال من تقديم الخدمات إلى صناعة التنمية لا يتحقق بمجرد توسيع الصلاحيات وزيادة الموارد، لأن الصلاحيات غير المحكومة قد توسع الهدر وضعف القرار بدلاً من أن توسع الأثر التنموي.

ومن هنا تكتسب توجهات المشروع نحو الحوكمة والانضباط المالي والإداري، وتنظيم العلاقة بين المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي، وتعزيز الرقابة والشفافية، أهميةً تتجاوز إعادة ترتيب الهياكل. على أن يبقى المجلس المنتخب صاحب القرار والرقابة، وتتولى الإدارة التنفيذية المهنية التنفيذ تحت مساءلته. فالحوكمة ليست لجنةً جديدةً أو تقريراً دورياً، بل منظومة تحدد من يضع السياسة، ومن ينفذها، ومن يراقب الأداء، ومن يتحمل المسؤولية، كما تضع قواعد واضحة للموازنة والمشتريات والتوظيف وإدارة الأصول، بما يجعل القرار مؤسسياً لا شخصياً، ويحميه من النفوذ والحسابات الانتخابية القصيرة.

فالبلدية لا تصبح تنموية بعدد المشروعات التي تعلن عنها أو بحجم موازنتها، وإنما بقدرتها على تحويل موارد منطقتها وميزاتها النسبية إلى فرص اقتصادية قابلة للاستمرار، من خلال تحديد عوائق الاستثمار، وتوجيه استعمالات الأراضي بكفاءة، وتطوير البنية التحتية، واختصار زمن الترخيص، والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي. فالقرار البلدي المتعلق بالأرض أو الطريق أو الرخصة ليس قراراً خدمياً فقط، بل قرار يؤثر في كلفة الاستثمار، وقيمة الأصول، وتوزيع النشاط الاقتصادي، وفرص العمل.
وقد لمست هذه الحقيقة عملياً خلال خدمتي مديراً عاماً لبنك تنمية المدن والقرى في النصف الثاني من عقد التسعينيات، حين أسهم البنك في تنفيذ حزمة الأمان الاجتماعي، بما شمل تحسين البنية التحتية في البلديات وتدريب موظفيها ورفع قدراتهم. وقد أظهرت تلك التجربة أن التمويل، على أهميته، لا يصنع وحده تحولاً تنموياً، ما لم يقترن ببناء القدرات، وكفاءة الإدارة، وجودة التخطيط والتنفيذ والمتابعة.

ولا تقل الحوكمة في البلديات أهميةً عنها في الشركات؛ فكما تحمي حوكمة الشركة أصولها، وتحسن قراراتها، وتدير مخاطرها، وتبني ثقة المستثمرين، تحمي حوكمة البلدية المال العام وأصول المدينة، وتقلل عدم اليقين أمام المستثمر، وتعزز ثقة المواطنين والممولين بقراراتها. غير أن البلدية لا تستهدف تعظيم الأرباح، بل إنتاج قيمة عامة تتمثل في خدمة أفضل، ومدينة أكثر جاذبية، واقتصاد محلي أكثر نشاطاً، وعدالة أوسع في توزيع التنمية.

وتصبح الحاجة إلى الحوكمة أكثر إلحاحاً عندما تدخل البلدية مجال الاستثمار أو الشراكة مع القطاع الخاص، لأن مشروعاً غير مدروس، أو عقداً لا يوزع المخاطر بعدالة، أو استغلالاً ضعيفاً لأرض مرتفعة القيمة، قد يحول الفرصة إلى التزام مالي طويل الأجل. ولذلك ينبغي إخضاع الاستثمار البلدي لتقييم مستقل، ومنافسة علنية، وإفصاح عن العقود، ومتابعة مستمرة للنتائج، حتى لا يتحول الدور التنموي إلى مجال للقرارات الارتجالية.

ولا تقف الحوكمة عند حدود ضبط الإدارة من الداخل، بل تؤسس لعقد تنموي محلي يربط البلدية بالمواطنين والقطاع الخاص والحكومة ضمن أهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس، كما تدعم العدالة المكانية حين توجه الخدمات والمشروعات وفق الحاجة، لا وفق النفوذ. ومن هنا تبرز أهمية إصدار بطاقة أداء سنوية لكل بلدية، تقيس جودة الخدمات، وسرعة الترخيص، ونسبة التحصيل، وإنجاز المشروعات، ووضع المديونية، ورضا المواطنين.

لكن البلدية المثقلة بالرواتب والديون والمتأخرات لن تستطيع قيادة التنمية مهما اتسعت اختصاصاتها، لأن الانضباط المالي لا يعني خفض الإنفاق فقط، بل تحسين التحصيل، وحصر الأصول، واستثمار الممتلكات غير المستغلة، وضبط التوظيف، وتوجيه الموارد نحو الإنفاق الرأسمالي المنتج. وإذا أُقر المشروع، فإن نجاحه سيعتمد على إصدار أنظمته بالتزامن مع نفاذه، وبناء قدرات البلديات، وتطبيق الصلاحيات تدريجياً وفق الجاهزية، وربط جزء من التمويل بالأداء.

وعليه، فإن المصادقة على المشروع ينبغي أن تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والبلديات والمواطنين: صلاحيات تنموية أوسع تقابلها حوكمة أقوى، وموارد إضافية تقابلها مساءلة أدق، واستقلال محلي أوسع تقابله نتائج قابلة للقياس. وعندها يصبح القانون مدخلاً لنقل البلديات من إدارة النفقات إلى إدارة النتائج، ومن انتظار المشروعات المركزية إلى صناعة الفرص المحلية، ومن قياس النجاح بما أُنفق إلى قياسه بما تحقق من أثر في حياة الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :