facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قبل أن نتحدث عن المدن الذكية .. لنجعل أحياءنا صالحة للحياة أولاً


أ.د. محمد الفرجات
12-07-2026 10:09 PM

كلما استمعت إلى مسؤول يتحدث عن المدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والحساسات، والتوائم الرقمية، أتساءل: هل انتهينا فعلاً من معالجة أبسط المشكلات التي يعيشها المواطن يومياً حتى انتقلنا إلى الحديث عن أكثر مراحل التطور الحضري تعقيداً؟

فالمدينة الذكية ليست كاميرا تراقب الشارع، ولا إشارة مرور تعمل بالذكاء الاصطناعي، ولا تطبيقاً إلكترونياً للحجوزات والخدمات، بل هي مدينة تجعل حياة الإنسان أكثر سهولة وأماناً وجودة. وإذا لم تحقق هذا الهدف، فإن كل ما يحيط بها من تقنيات لن يكون سوى مظاهر تكنولوجية لا تغير واقع الناس.

كيف نتحدث عن مدينة ذكية بينما لا يزال آلاف الأطفال يسيرون إلى مدارسهم في وسط الشارع لأن الأرصفة محتلة بالمركبات أو البسطات أو مخلفات البناء؟ وكيف نتحدث عن الذكاء الاصطناعي في إدارة المرور بينما معابر المشاة غير واضحة، والحفر تملأ الشوارع، والكندرين متهالك، وبعض أعمدة الكهرباء ما تزال مكشوفة وتشكل خطراً على الأطفال؟

كيف نطمح إلى حاويات نفايات ذكية ترسل إشعارات عند امتلائها، بينما لا تزال الأحياء تعاني من تراكم النفايات، وغياب عمليات الفرز، وغياب إعادة التدوير، وترك مخلفات البناء لأشهر في الشوارع؟

وكيف نتحدث عن إدارة ذكية للمواقف العامة، بينما كثير من الأحياء لم تُخطط أصلاً لتوفير مواقف كافية، فأصبحت الأرصفة هي البديل؟

إن المدينة الذكية تبدأ من حي سكني منظم، نظيف، آمن، جميل، يستطيع الطفل أن يمشي فيه إلى مدرسته، ويستطيع المسن أن يسير على الرصيف دون خوف، وتستطيع الأسرة أن تجد حديقة عامة نظيفة، وملعباً للأطفال، ومواقف سيارات، وإنارة جيدة، وشوارع آمنة، وخدمات قريبة منها.

هذا هو الذكاء الحضري الحقيقي، أما التكنولوجيا فهي تأتي بعد ذلك لتعزز ما هو موجود، لا لتعوض ما هو مفقود.

ومن المؤسف أن بعض الخطاب الرسمي يقفز مباشرة إلى الحديث عن الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، بينما ما زلنا بحاجة إلى معالجة أساسيات الحياة الحضرية؛ تنظيم استعمالات الأراضي، وصيانة الأرصفة، وإزالة التعديات، وإنشاء مسارات آمنة للمشاة، وتحسين النقل العام، وإدارة المخلفات، وتجميل الأحياء، وتأهيل الحدائق، وصيانة الشوارع، وفرض هيبة القانون على كل من يعتدي على الفضاء العام.

فالمدينة الذكية ليست مشروعاً معلوماتياً، بل مشروعاً عمرانياً واجتماعياً وإنسانياً. تبدأ عندما يكون السوق والمدرسة والمركز الصحي والحديقة على مسافة مشي من المنزل، فتقل الحاجة إلى استخدام السيارة. وتبدأ عندما تُصمم الأبنية لتكون موفرة للطاقة، وتُدار المياه بكفاءة، وتُعاد معالجة النفايات، وتُستثمر المساحات العامة بصورة صحيحة، ويصبح الوصول إلى الخدمات سريعاً وسهلاً.
بعد ذلك فقط يصبح للذكاء الاصطناعي دور حقيقي في رفع الكفاءة وتحسين الأداء.

كما أن نجاح أي مدينة ذكية يتطلب مواطناً مؤهلاً للتعامل معها. فما زلنا بحاجة إلى تعزيز ثقافة احترام القانون، والمحافظة على النظافة، وتنظيم الأدوار، واحترام المشاة، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وحماية الممتلكات العامة. فلا يمكن بناء مدينة ذكية فوق سلوكيات لا تزال بحاجة إلى كثير من الوعي والتنظيم.

ولهذا فإنني أرى أن الأولوية الوطنية اليوم ليست الإعلان عن مشاريع المدن الذكية، وإنما إطلاق برنامج وطني لتأهيل الأحياء السكنية الأردنية، بحيث تصبح جميعها آمنة، ونظيفة، ومنظمة، وصديقة للمشاة، وجاذبة للحياة.

وعندما ننجح في ذلك، ستكون التكنولوجيا إضافة طبيعية، لا محاولة لإخفاء مشكلات ما زالت قائمة على أرض الواقع.

فالمدن الذكية لا تُقاس بعدد الكاميرات، ولا بحجم الإنفاق على البرمجيات، ولا بعدد تطبيقات الهواتف، وإنما تُقاس بقدرة طفل على الذهاب إلى مدرسته بأمان، وقدرة مسن على السير فوق رصيف صالح، وقدرة أسرة على قضاء وقتها في حديقة نظيفة، وقدرة مواطن على الوصول إلى خدماته بسرعة ودون عناء.

عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا بالفعل بناء مدينة ذكية... لا مدينة تتحدث عن الذكاء بينما لا تزال تبحث عن أبسط مقومات الحياة الحضرية الكريمة.
برأيي، هذا الطرح أقوى من المقال السابق لأنه يضع المسؤول أمام سؤال واحد يصعب الإجابة عنه: "كيف نتحدث عن المدن الذكية بينما لا تزال أساسيات المدينة غير مكتملة؟" وهذا هو جوهر الرسالة التي تريد إيصالها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :