نُدرِّس أبناءنا لينجحوا في الشهادة… ولا ندرسهم كيف يواجهون الحياة
د. محمد حيدر محيلان
12-07-2026 10:10 PM
كلما وقعت مأساة أو حالة انتحار بين شبابنا بسبب ضغوط الحياة أو الإخفاق الدراسي أو النفسي، نتساءل: لماذا وصل إلى هذه المرحلة؟ لكن السؤال الأهم ليس كيف انتهت المأساة، بل كيف بدأت. هل أعددنا أبناءنا للحياة، أم أعددناهم لاجتياز الامتحانات فقط؟
لقد نجح نظامنا التعليمي في بناء العقول، لكنه لم يمنح بناء الشخصية، والمرونة النفسية، والثقة بالنفس ما يستحقه من اهتمام. فنحن نعلّم أبناءنا الرياضيات والعلوم واللغات، لكننا لا نعلّمهم كيف يواجهون الفشل، وكيف يديرون الضغوط، وكيف يتخذون القرار، وكيف ينهضون بعد العثرة. ولذلك قد يحمل بعضهم أعلى الشهادات، لكنه ينهار أمام أول اختبار حقيقي تفرضه الحياة.
كما أسهمنا، دون قصد، في اختزال النجاح في المعدل الدراسي، حتى ظن بعض الشباب أن تعثره في امتحان يعني ضياع مستقبله كله، مع أن الحياة لا تُقاس بورقة امتحان، وأن كثيرًا من أصحاب الإنجازات بدأوا طريقهم بإخفاقات كانت سببًا في نجاحهم لاحقًا.
ولا يقل خطورة عن ذلك الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسي. فما زال كثيرون يخجلون من مراجعة الطبيب النفسي، بينما الحقيقة أن النفس، كأي عضو في الجسد، قد تتعب وتمرض وتحتاج إلى الرعاية والعلاج. وفي المجتمعات الأكثر وعيًا بالصحة النفسية، يلجأ الإنسان إلى المختص النفسي عند أول شعور بأن الضغوط أصبحت أكبر من قدرته على الاحتمال، أو عندما يحتار في التعامل مع مشكلة تؤثر في حياته أو أسرته أو مستقبله. إن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل دليل نضج ووعي ومسؤولية.
فالإنسان ليس جسدًا وحده؛ فكما يمرض القلب والرئتان، قد تتعب النفس، وقد يعتل العقل، وكلاهما يحتاج إلى رعاية المختص وعلاجه، ولا عيب في ذلك، بل العيب أن نهمل العلاج حتى تتفاقم المشكلة.
إن ما نشهده اليوم يستوجب إعادة تقييم شاملة للمنظومة التعليمية، بحيث لا يقتصر دور المدرسة على إعداد الطالب للامتحان، بل لإعداد الإنسان للحياة. وهذا يتطلب إدراج مساقات عملية في مهارات الحياة، وبناء الشخصية، والمرونة النفسية، والذكاء الانفعالي، والثقة بالنفس، وإدارة الضغوط، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والتواصل الفاعل، إلى جانب تعزيز دور الإرشاد النفسي داخل المدارس، وترسيخ ثقافة طلب المساعدة دون خوف أو خجل.
إن الأمم تتقدم بالشهادات نعم وبالعلوم ، ولكن تتقدم اكثر بإنسان متوازن يعرف كيف يواجه الأزمات، ويحوّل الإخفاق إلى بداية جديدة. فالشهادة قد تفتح باب الوظيفة، أما قوة الشخصية، ومهارات الحياة، والاتزان النفسي، فهي التي تفتح أبواب المستقبل، وتحمي أبناءنا من اليأس، وتمكنهم من النهوض بعد كل عثرة. فالتعليم الحقيقي لا يصنع طالبًا متفوقًا فحسب، بل يصنع إنسانًا قادرًا على أن يعيش الحياة بثقة وأمل مهما اشتدت التحديات.