عقلية السلطعون .. عندما يصبح إسقاط الآخرين مشروعاً جماعياً
محمد نور الدباس
28-07-2026 11:46 AM
ليست كل المجتمعات التي تتأخر في التنمية تعاني نقصاً في الموارد أو ضعفاً في الكفاءات، فبعضها يمتلك من الطاقات البشرية ما يؤهله للتقدم، لكنه يرزح تحت عبء ثقافة اجتماعية ومؤسسية أشد فتكًا من الفقر والجهل، هي ما يعرف بـ"عقلية السلطعون"، فعقلية السلطعون (Crab Mentality) هي نمط من التفكير يقوم على مبدأ: "إذا لم أستطع التقدم، فلن أدع غيري يتقدم."
فمن المتداول بين الناس أن السلطعونات إذا وُضعت في دلو واحد، فإن أي سلطعون يحاول الخروج يجد الآخرين يسحبونه إلى الأسفل، فلا ينجو أحد، ويبقى الجميع في القاع، وسواء كانت هذه الرواية دقيقة من الناحية العلمية أم لا، فإنها أصبحت استعارة بليغة تصف سلوكًا بشريًا يتكرر في أماكن العمل، والمؤسسات، والأحزاب، والجامعات، بل وحتى داخل بعض الأسر، ففي السلوك البشري، تظهر عقلية السلطعون في صور متعددة، منها التقليل من نجاح الآخرين أو السخرية منه، ومنها الحسد والغيرة عند رؤية شخص يحقق إنجازًا، ومنها نشر الإشاعات أو وضع العراقيل أمام المتفوقين، ومنها تثبيط الآخرين بعبارات مثل: "لن تنجح"، أو "لا تتعب نفسك"، ومنها رفض التعاون خوفًا من تفوق الآخرين.
أما أسبابها فقد تشمل ضعف الثقة بالنفس، وقد تشمل الشعور بالنقص أو الفشل، وقد تشمل الاعتقاد بأن النجاح مورد محدود، وأن نجاح شخص يعني خسارة الآخرين، وقد تشمل بيئات تنافسية غير صحية تُكافئ الصراع بدل التعاون، ليكون من آثارها قتل روح الإبداع والابتكار، وإضعاف العلاقات داخل فرق العمل، وخلق بيئة يسودها الإحباط وعدم الثقة، وإعاقة تقدم المؤسسات والمجتمعات.
وعقلية السلطعون لا تقوم على السعي للنجاح، وإنما على منع الآخرين من النجاح، صاحبها لا يطمح إلى أن يرتقي بنفسه، بل يطمئن عندما يرى الجميع في مستواه أو دونه، ولذلك تتحول الغيرة إلى تشويه، والمنافسة إلى عرقلة، والنقد إلى اغتيال معنوي، والتقييم إلى تصفية حسابات.
والأخطر من ذلك كله أن هذه العقلية غالباً ما ترتدي ثوب الموضوعية أو الحرص على المصلحة العامة، فكم من مبدع تمت محاربته بحجة أنه "يتجاوز زملاءه"، وكم من صاحب فكرة تمت مواجهته بالسخرية بدل الدعم، وكم من موظف كفء حُرم من فرصة يستحقها لأن نجاحه أزعج من اعتادوا احتكار المشهد.
والمؤسسات التي تنتشر فيها هذه الثقافة لا تخسر الأفراد فقط، بل تخسر مستقبلها، فالكفاءات إما أن تنكفئ وتتوقف عن العطاء، وإما أن تبحث عن بيئة أكثر عدالة وتقديراً، وهكذا تصبح المؤسسة طاردة للمبدعين وجاذبة للجمود، ويصبح البقاء فيها للأكثر قدرة على بناء التحالفات وإقصاء المنافسين، لا للأكثر كفاءة وإنتاجًا.
ولا يختلف حال المجتمعات، فحين يُنظر إلى نجاح الآخر باعتباره تهديدًا، تتراجع روح المبادرة، ويحل الإحباط محل الطموح، ويتحول المجتمع إلى ساحة صراع داخلي تستنزف طاقاته بدل أن توظفها في البناء والتنمية.
إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود المنافسة، فالمنافسة الشريفة هي محرك التقدم، وإنما في الاعتقاد بأن النجاح مورد محدود، وأن صعود شخص يعني سقوط الآخرين، هذه عقلية الندرة، بينما المجتمعات المتقدمة تبني نهضتها على عقلية الوفرة، التي تؤمن بأن نجاح فرد واحد قد يفتح أبوابًا لنجاح العشرات، وأن تبادل الخبرات والتعاون يصنع قيمة أكبر للجميع.
ومن هنا فإن مواجهة عقلية السلطعون ليست مسؤولية الأفراد وحدهم، بل مسؤولية القيادات وصناع القرار، فالعدالة في الفرص، والشفافية في التقييم، ومكافأة الإنجاز، وتجريم التنمر الوظيفي، وبناء ثقافة مؤسسية تحتفي بالتميز، كلها أدوات تكسر هذه العقلية وتمنعها من التحول إلى ثقافة راسخة، بمعنى أن العقلية البديلة هي عقلية الوفرة (Abundance Mindset)، التي تؤمن بأن نجاح الآخرين لا ينتقص من فرصك، بل قد يخلق فرصًا جديدة للجميع، وأن التعاون وتبادل الخبرات يرفع مستوى الجميع.
وباختصار، عقلية السلطعون لا تمنع الآخرين من الصعود فحسب، بل تُبقي الجميع في القاع، وهي من أخطر العقليات التي تعيق تطور الأفراد والمؤسسات لأنها تستبدل المنافسة الشريفة بمحاولة إعاقة الآخرين بدل تطوير الذات.
فالأمم لا تتقدم عندما يتعثر الناجحون، بل عندما يصبح نجاحهم مصدر إلهام للآخرين، والمؤسسات العظيمة لا تُقاس بعدد من تمنعهم من الصعود، وإنما بعدد القادة الذين تصنعهم، إلا إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل فرد على نفسه هو: عندما أرى شخصًا ينجح، هل أبحث عن وسيلة لأتعلم منه، أم عن طريقة لأسحبه إلى الأسفل؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مستقبل الفرد، بل مستقبل المؤسسة والمجتمع بأسره.