"الصندوق الأسود" مع عمار تقي .. شهادة رجل دولة يروي تاريخ الأردن
د. جاسر عبد الرزاق النسور
01-08-2026 12:45 PM
في حوار موسع امتد ستة واربعين حلقة ، قدّم الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، عبر برنامج "الصندوق الأسود" مع الإعلامي عمار تقي، شهادة سياسية وتاريخية لواحد من أبرز رجالات الدولة الذين عايشوا محطات تأسيسية وفارقة في مسيرة المملكة، وشاركوا في صناعة قراراتها على مدى عقود.
لم يكن اللقاء مجرد استعراض لذكريات مسؤول أردني شغل أرفع المناصب، بل تحول إلى مادة بحثية وتوثيقية ثمينة، تقدم قراءة تحليلية لتطور الدولة الأردنية وآليات تعاملها مع التحديات الداخلية والإقليمية، في منطقة هي الأكثر اضطراباً في العالم.
لقد وقف الروابدة عند البدايات الأولى للدولة الأردنية، مسلطاً الضوء على الظروف المعقدة التي رافقت نشأة إمارة شرق الأردن، مؤكداً أن بناء الدولة لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل مؤسسي متواصل قاده الهاشميون لوضع أسس دولة قادرة على الصمود. وأشار إلى أن سر نجاح الأردن لم يكمن في حجم موارده، بل في قدرته على بناء مؤسسات وطنية متينة، جعلت من القانون المرجعية الأساسية في إدارة الشأن العام، وهو ما منح المملكة قدرة فائقة على تجاوز أزمات متلاحقة.
وتوقف الروابدة عند دور الملك المؤسس عبدالله الأول في وضع اللبنات الأولى للدولة، وترسيخ حضورها السياسي؛ كما أبرز أن عهد الملك طلال ارتبط بإقرار الدستور الأردني، الذي شكل الإطار الناظم للحياة السياسية، ونظم العلاقة بين السلطات، مما كفل استقرار النظام السياسي لعقود.
وهنا انتقل الحوار إلى عهد الملك الحسين بن طلال، أبرز الروابدة كيف استطاعت القيادة في ظل حروب وأزمات وتحولات كبرى، والحفاظ على توازن دقيق بين المتطلبات الداخلية والتحديات الخارجية. وأشار إلى نهجه القائم على الحوار والاستماع للآراء، وحرصه الدائم على تماسك مؤسسات الدولة.
وتناول الدكتور عبد الرؤوف الروابدة بكل هدوء وصبر أحداث أيلول 1970، واصفاً إياها بتحدٍ وجودي، مؤكداً أن القرارات اتخذت للحفاظ على وحدة الدولة وسيادة القانون، كما قدّم قراءة لقرار فك الارتباط عام 1988، موضحاً أنه جاء في سياق تطورات معقدة، بهدف منح الفلسطينيين فرصة تقرير مصيرهم، مع استمرار الأردن في دعم حقوقهم المشروعة.
وأما القضية الفلسطينية فقد اعطاها الروابدة مساحة واسعة مما يؤكد اهميتها في وجدان كل مسؤول اردني، مؤكداً أنها قضية مركزية للأردن منذ التأسيس، وأن المواقف الثابتة لم تتغير. وشدد على المكانة التاريخية للقدس وأهمية الوصاية الهاشمية في حماية المقدسات، معتبراً أن التوازن بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحماية مصالح الدولة كان أحد عوامل نجاح السياسة الأردنية.
وأما عند صناعة القرار فقد كشف الروابدة عن كواليسها ، مؤكداً أن المسؤولية العامة عبء ثقيل يتطلب الجرأة والعمل بروح الفريق. وشدد على أن الإصلاح الحقيقي يتحقق بمؤسسات قوية وسيادة القانون، وأن مكافحة الفساد مسؤولية دولة ومجتمع تبدأ بالشفافية وتترسخ بالمحاسبة.
وبعد ست وأربعين حلقة امتدت بساعاتها الطويلة، لم يعد "الصندوق الأسود" مجرد برنامج حوارياً يستعيد ذكريات الماضي، بل تحول إلى موسوعة سياسية حية، ووثيقة تاريخية نادرة تصلح لأن تكون نواة بحث لطلاب الجامعات، ومادة تدريبية معتمدة لمنتسبي خدمة العلم، يتعلمون من خلالها كيف تُصنع الدول، وكيف تواجه الأمم أزماتها بعقلية مؤسسية ورؤية ثاقبة.
ففي رواية الروابدة، ليست الأحداث مجرد تواريخ جامدة، بل دروس في القيادة، وفصول في صناعة القرار، ومختبر حقيقي لفهم كيف يمكن لدولة صغيرة الموارد أن تكون كبيرة الحضور، قوية البنيان، قادرة على تجاوز العواصف التي أطاحت بغيرها.
وهكذا، يخرج المشاهد من هذه الرحلة التاريخية الطويلة وقد اكتملت لديه صورة الأردن، ليس كدولة تعيش على هامش المنطقة، بل كقلب نابض في محيط مضطرب، وكقصة نجاح استثنائية تستحق أن تروى، وأن تُدرس، وأن تظل شاهدة على أن الإرادة الوطنية، حين تترافق مع مؤسسات راسخة ورؤية واضحة، تصنع المعجزات، وتكتب التاريخ بأحرف من نور.
سيَبقى الوطنُ راسِخاً في نَزاهَتِه، شامِخاً بِقِيادَتِه، وفيّاً بِشَعبِه.
حفظ الله الأردن، وأدام عز قيادته الهاشمية
* دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات