حين يفوح الوطن من رغيف الخبز
أ.د كامل محادين
01-08-2026 02:14 PM
ثمة أوطان لا تُحفظ في الكتب وحدها، بل في رائحة رغيف خبز خرج لتوه من فرن الحارة، وفي صوت بائع ينادي على بضاعته، وفي جدار قديم احتفظ بملامح الذين مروا من أمامه عشرات السنين. هناك، في الأسواق الأردنية والقرى القديمة، لم تكن الحياة أكثر رفاهية، لكنها كانت أكثر دفئًا.
أتجول بين الأزقة، فأسمع أصواتًا لم تغادر الذاكرة؛ بائع الخضار يساوم بابتسامة، والعطار ينثر عبق الزعتر والميرمية، وامرأة مسنة تنحني لتقبّل حفيدها، وكأنها تقبّل المستقبل كله. وفي الطريق إلى البيت، يخرج معلم من مدرسته، يحمل تحت ذراعه ربطة خبز تفوح منها رائحة قمح بلادي، وجندي يحمل إلى عائلته ما قسمه الله له ، في مشهد بسيط، لكنه يختصر معنى الوطن.
الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل تفاصيل صغيرة عاشت فينا قبل أن نعيش فيها. هو زيت الزيتون الذي كانت الأرض تجود به، وهو ظل مسجد او كنيسة يستريح عند بابه رجل أنهكته السنين قبل أن يعود إلى قريته، وهو الجار الذي يعرف جاره، والوجوه التي كانت تسبق الأسماء.
اليوم، نقف في المكان نفسه، لكننا لا نفعل سوى التقاط الصور. نصوّر الحجارة لأننا نخشى أن تضيع، ونوثّق الأزقة لأننا نخاف أن تبتلعها الحداثة. وكأننا نعترف، بصمت، أن شيئًا من روح المكان بدأ يتوارى.
لسنا أسرى للماضي، ولا دعاة عودة إلى زمن لن يعود، لكننا نشتاق إلى منظومة من القيم
كانت تسند المجتمع؛ الكرامة قبل المنصب، والأمانة قبل المكسب، والإنسان قبل كل شيء. فما قيمة المدن إذا فقدت روحها؟ وما قيمة التنمية إذا غابت عنها البساطة التي صنعت هوية الناس؟
نريد وطنًا يبقى كبيرًا بأهله، لا بمبانيه فقط
نريد مسؤولًا يرى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ويجعل الكرامة عنوانًا لعمله، لأن هيبة الدولة تبدأ من نزاهة رجالها، كما تبدأ محبة الوطن من عدالة مؤسساته.
سيبقى الأردن جميلًا ما بقيت ذاكرته حيّة فينا. فالأوطان لا تشيخ بالحجارة، وإنما تشيخ حين يبهت في أهلها معنى الانتماء. أما إذا ظل رغيف الخبز يحمل رائحة القمح، وظلت القلوب تحمل رائحة الوطن، فإن الزمن، مهما تغيّر، لن يستطيع أن ينتزع من الأردن روحه.