facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سوق الظل الأردني


أ.د. علي حياصات
02-08-2026 11:41 AM

في زمن اختلت فيه المعايير، لم تعد المشكلة في حضور المناسبات الاجتماعية، ولا في قيم التواصل التي كانت وستبقى من أجمل ما يميز مجتمعنا الاردني، وإنما في تحول بعضها إلى منصات لاستعراض الحضور أكثر من كونها فضاءات للتواصل الإنساني. أصبحنا نعيش سباقاً يومياً نحو الظهور، وكأن قيمة الإنسان تقاس بعدد الصور التي يلتقطها، لا بما يتركه من أثر في عمله ومجتمعه.

المشهد الأكثر إثارة للقلق أن هذه الثقافة بدأت تتسلل إلى فئات يفترض أن تكون حاملة لمشروع النهوض المجتمعي والمعرفي. فبعض الأكاديميين والأطباء والمحامين والمسؤولين السابقين وغيرهم الكثير باتوا يمنحون حضورهم الاجتماعي من الوقت والاهتمام ما يفوق أحياناً حضورهم المهني. وهنا لا يتعلق الأمر بوقت يضيع، بل بتكاليف فرصة بديلة تنهش عصب الدولة والمجتمع، فساعة الطبيب التي تُسرق لالتقاط الصورة في مناسبة اجتماعية هي ساعة لم تُمنح لمريض، وساعة الأستاذ الجامعي التي تُهدر في سباق المآدب هي بحث لم يُكتب أو جيل لم يُربَّ. مجتمع يسمح بتفريغ طاقاته العقلية في هذا السباق الاجتماعي السلبي، هو حتما مجتمع يدفع فاتورة التخلف مقدماً.

ما يحرك هذا الجموع ليس حب الطعام بالتأكيد، بل فوبيا الغياب، الخوف المرضي من أن يُنسى المرء أو أن تُشطب مكانته الاجتماعية إذا تغّيب عن مناسبة اجتماعية واحده. وكأننا في سوق علني للمزاد، ليس على السلع، بل على الظل، فكلما كبر ظلك في الصورة، تقلصت قيمة ما تقدمه خارجها.

ولا يقل خطورة عن ذلك انتقال هذه الثقافة إلى العمل الحزبي. فالحزب ليس صالة مناسبات، ولا يقاس نجاحه بعدد الحضور أو فخامة الموائد، وإنما بقدرته على إنتاج الأفكار وتقديم حلول واقعية.

وعندما تتحول الاجتماعات إلى مناسبات للتصوير أكثر من كونها ورشاً للعصف الذهني ذات مخرجات قيّمة، فإن السياسة تفقد معناها، وتصبح حركة بلا روح.

خلاصة القول، علينا أن نوقن أن الوجاهة الحقيقية ليست في أن نُرى، بل في أن نُحتاج. فلنقاوم بهدوء ثقافة الظهور، ولنغرس في أبنائنا أن السيرة تُكتب بالجهد، لا بعدد الصور ولا بفيض الإعجابات. فالمجتمع الذي يرفع قيمة الحضور فوق قيمة الإنتاج، إنما يرهن مستقبله للحظة عابرة.

ولتكن همّتنا أعلى من كاميراتنا، ولنجعل من الأردن وطنًا يُحتفى فيه بمن يبني، لا بمن يكتفي بالمرور. فالصور يطويها الزمن، أما الإنجاز فيبقى شاهدًا للأجيال.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :