"قبل ان يصبح الغضب الاقتراضي هوية "
فراس المجالي
10-08-2026 12:56 AM
تتلخص القصة التي يعيشها المواطن اليوم بذلك الشعور الذي يفرضه الواقع حين يدرك أنه مسيَّر وليس مخيراً في قرارات تحدد مصيره، فيشتعل غضباً حين لا يجد من (يكيل بصاعه) ليبحث عن مسار آخر يفرغ فيه كل ذلك الاحتقان.
وبعد تراكم مشاعر العجز والتهميش طبقة فوق طبقة، اقتنع المواطن بأن رأيه غير مسموع وكأنه في زمن مقطوع، يعيش في قلق دائم من القادم، فلا يثق بمن يقرر مصيره ويفاجئه بقرارات تقلب حساباته بين ليلة وضحاها.
لقد تولّد إحساسٌ بأن الحكومات تدير ملفاتها الساخنة بأسلوب التملّص، عندما تحوّل أسلوبها في طرح مشاريع القوانين وإقرارها إلى عجز نيابي وسط مشاهد استعراضية تحت القبة ومعارك كلامية محبوكة تنتهي بحصد المكتسبات السياسية، بينما تكسب المعارضة جولة أخرى على حساب فاتورة الدولة.
فالاستخفاف برأي المواطن أضعف ثقته بالمسارات الرسمية، وأدّىٰ إلى الاحتقان الذي يهدد بتقويض السلم الاجتماعي وركائز الاستقرار.
ومن شأن التغافل عن احتواء مشاعر الغضب أن يفقد الدولة قدرتها على معالجة المشكلات في مهدها عبر الحوار والرعاية القانونية؛ إذ يستحيل بناء مجتمع متماسك، وأمن وطني مستدام دون استيعابٍ واعٍ لنبض الناس وتطلعاتهم.
وعندما يغدو أيُّ مشروعِ قرارٍ أمراً واقعاً، يترسخ الإحباط في صورة يأسٍ ومرارةٍ من نهج الإدارة، لتصنع هذه الخيبة غضباً جارفاً يتفجر على المنصات والشبكات الافتراضية؛ وتصبح الشاشات الذكية ميداناً يتفاعل المواطن فيه ويرفع صوته دون خوف.
فالمزاج العام أصبح سيلاً جارفاً، يعتبر أي تبرير من الحكومة أو لصالحها اعتداءً يستوجب الرد الحاسم، ليمتلئ المجال الإلكتروني بالتعليقات المضادة في جبهة مفتوحة من الترصد والقصف المتزامن والمستمر.
وبينما يتخندق صانع القرار في مكتبه تحاشياً لمواجهة عبثية، يبرز للجمهور مسؤول سابق متشوق للحديث عن إنجازاته، ليصبح المشهد أكثر إثارة.
لقد تصاعد هذا المزاج بشكل ملحوظ في تبنّي العنف الكلامي وراح يستهدف الإذلال بقدر ما يستهدف الإقناع، من خلال السخرية اللاذعة والحط من قدر الرأي المخالف.
ويبدو أن هذا الغضب يتبلور ليتخذ شكل هوية جماعية قائمة على الاستياء، يستعصي احتواؤها بحلول ومسكنات إدارية، لأن جمهورها لم يعد يبحث عن حل بقدر ما يبحث عن اعتراف بغضبه الذي يشعر بأنه يصنع له كياناً جديداً ووزناً وتأثيراً واسعاً.
وقبل أن ترتفع كلفة الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا بد من التحرك السريع ضمن مسار واقعي ونهج جديد يبدأ من إعادة الاعتبار لكرامة المواطن وحقه الأصيل في إيصال صوته حين تعجز الوسائل التقليدية.
فقد بات إصلاح الإعلام الوطني ضرورة ملحة من خلال إجراء تحول استراتيجي من الخطاب التبريري إلى المكاشفة الرقمية والتفاعل المباشر، ليزيد من قدرته على استقبال المعلومات عبر تحويل الوسائل الرسمية إلى ساحات حوار واستقصاء تفتح المجال للرأي المخالف ومناظرة صناع القرار.
وهنا تأتي أهمية تبني أدوات عصرية للتواصل المباشر مع المسؤولين، والاستخدام الاحترافي للذكاء الاصطناعي والخوارزمي، واعتماد وسائل التأثير الرقمي للنقاش في السياسات العامة، ودعم صحافة البيانات التفاعلية لعرض المعلومات الاقتصادية والمالية بشفافية.
ولا بد من مراجعة سياسية واجتماعية وتشريعية واعية تنقل المجتمع من الصخب السلبي إلى التنظيم المدني الأفقي لترسيخ بيئة سياسية واجتماعية قائمة على سيادة القانون والمشاركة الحقيقية الفاعلة، التي تعيد للمواطن شعوره بالانتماء وبالقدرة على التأثير.
ولا يتأتّى نجاح هذا التنظيم الأفقي عبر النخب المُصنَّعة أو الشكليات التي أُفرغت من مضمونها، ولا باستمرار القصف الرقمي الفردي، بل بتحويل الاستياء إلى وعي مجتمعي يتكتل حول المصلحة العامة والاحتياجات المعيشية المباشرة.
فالسلطة تُجد نفسها مجبرة على الإصغاء حين يتشكل التضامن الشعبي في أطر أفقية حرة تعيد للمجتمع قدرته على الضغط المتوازن، وتجاوز القنوات التقليدية العاجزة.
أما خطط التحديث المعزولة فتبقى حبراً على ورق ما لم تلامس كرامة الإنسان وتستعيد ثقته بنفسه وبمؤسساته الدستورية.