لماذا نبني سجنًا جديدًا إذا كنا نستطيع منع الحاجة إليه؟
محمد نور الدباس
12-08-2026 04:06 PM
كلما ارتفعت أعداد النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل، عاد الحل التقليدي إلى الواجهة؛ نبني مراكز جديدة، نضيف أسرّة، نوسّع الأبنية، ونزيد الطاقة الاستيعابية، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة أكبر هو؛ لماذا نحتاج أصلًا إلى كل هذه الأسرّة؟
فإذا كانت مراكز الإصلاح والتأهيل تستقبل أعدادًا تفوق قدرتها الاستيعابية، فإن المشكلة ليست بالضرورة في ضيق المباني، بل في منظومة العدالة الجنائية التي تدفع أعدادًا من الأشخاص إلى السجن، بعضهم قبل صدور حكم قضائي، وبعضهم في قضايا لا تستدعي بالضرورة سلب حريته، وبعضهم بعقوبات قصيرة يمكن تنفيذها بوسائل أكثر فاعلية وأقل كلفة على الدولة والمجتمع.
من هنا، فإن معالجة الاكتظاظ لا ينبغي أن تبدأ من السؤال؛ كم مركز إصلاح نحتاج؟ وإنما من سؤال أكثر جوهرية؛ كم شخصًا ينبغي أن يكون داخل مركز الإصلاح أصلًا؟ فالسجن ليس الحل الوحيد؛ وعليه فإن وقف التوقيف الإداري إلا في أضيق الحدود، وجعل التوقيف في القضايا الجنحوية استثناءً لا قاعدة، والتوسع في بدائل التوقيف، والتوسع في العقوبات البديلة، وتسريع الفصل في القضايا، ومراجعة أوضاع المحكومين بعقوبات قصيرة؛ ليست إجراءات متفرقة، بل إنها، إذا نُفذت ضمن سياسة واحدة، تقود إلى إعادة تعريف لفلسفة العدالة الجنائية.
فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم التوقيف هي أن الحرية هي الأصل، وأن سلبها قبل صدور الحكم يجب أن يكون استثناءً تفرضه ضرورة حقيقية، وليس إجراءً اعتياديًا، فليس من المنطقي أن يتحول التوقيف الاحتياطي، في بعض الحالات، إلى عقوبة فعلية تسبق المحاكمة، وليس من العدالة أن يدخل شخص إلى مركز الإصلاح بسبب جنحة بسيطة، ثم يقضي مدة من التوقيف قد تكون لها آثار اجتماعية ومهنية وأسرية أكبر بكثير من خطورة الفعل نفسه.
فما الذي سيحدث لو تغيرت المعادلة؟ ولنتخيل أن الأردن اتخذ حزمة متكاملة من الإجراءات مثل؛ إيقاف التوقيف الإداري إلا في أضيق الحدود، جعل التوقيف في الجنح استثناءً، التوسع في بدائل التوقيف، تطبيق العقوبات البديلة على نطاق أوسع، تسريع الفصل في القضايا، ومراجعة أوضاع المحكومين قصيري المدة، فماذا ستكون النتيجة؟
سنكون قد أغلقنا، أو ضيقنا، عددًا من القنوات التي تضخ النزلاء إلى مراكز الإصلاح، وفي الوقت نفسه سرّعنا خروج من لا تستدعي حالتهم استمرار وجودهم فيها، وهذه هي النقطة الجوهرية، فالاكتظاظ ينتج من الداخلين، ومدة بقائهم، والخارجين، فإذا قل عدد الداخلين، وانخفض متوسط مدة الإقامة، وزاد عدد الخارجين من خلال البدائل والإفراجات التي يسمح بها القانون، فإن أعداد النزلاء ستبدأ بالانخفاض بصورة مستدامة، وبذلك لا نعالج الاكتظاظ من نهايته، بل من مصدره.
فلماذا نبني سجنًا جديدًا إذا كنا نستطيع منع الحاجة إليه؟ كون بناء مركز إصلاح جديد قد يكون ضروريًا في بعض الظروف، لكنه لا يمكن أن يكون السياسة الأساسية لمعالجة الاكتظاظ، لأن المركز الجديد سيملأ عاجلًا أم آجلًا إذا بقيت منظومة إنتاج السجن على حالها، فالمعادلة بسيطة؛ إذا استمر تدفق النزلاء بمعدل أعلى من معدل خروجهم، فإن أي توسع في الطاقة الاستيعابية سيكون مؤقتًا.
وقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام السؤال ذاته: هل نبني مركزًا آخر؟ وهكذا ندخل في دائرة مكلفة؛ اكتظاظ → توسعة → اكتظاظ → توسعة، بينما المطلوب هو كسر هذه الدائرة، فبدائل السجن ليست تساهلًا مع الجريمة، وهنا يجب أن نكون واضحين مع أنفسنا، فالتوسع في بدائل التوقيف والعقوبات البديلة لا يعني التساهل مع الجريمة، ولا يعني إطلاق سراح الخطرين على المجتمع، ولا يعني إلغاء العقوبة.
بل يعني أن تكون العقوبة متناسبة مع خطورة الجريمة وشخصية مرتكبها واحتمالات تكرارها، وكذلك هو الحال بالنسبة للخدمة المجتمعية، والرقابة الإلكترونية، والبرامج التأهيلية، والعلاج من الإدمان، وتقييد الحركة، وغيرها من البدائل التي يسمح بها القانون، يمكن أن تكون في بعض الحالات أكثر عقلانية من وضع الشخص خلف القضبان ثم إطلاقه إلى المجتمع من دون تأهيل أو معالجة لأسباب السلوك الإجرامي.
السؤال ليس هل نعاقب؟ بل: كيف نعاقب بحيث نحمي المجتمع ونصلح الجاني ولا ننتج مجرمًا أكثر خطورة؟ فالمحكوم قصير المدة.. موضوع يستحق المراجعة، فهناك فئة أخرى ينبغي ألا تغيب عن النقاش وهي فئة المحكومين بعقوبات قصيرة، فإذا كان شخص قد حُكم عليه بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة، فعلينا أن نسأل: هل دخوله إلى مركز الإصلاح سيحقق الغاية من العقوبة فعلًا؟ أم أنه سيؤدي إلى فقدانه عمله، وتفكك أسرته، وتعرضه لبيئة قد تزيد من احتمالات عودته للجريمة، ثم يخرج بعد فترة قصيرة من دون أن يكون قد خضع لبرنامج إصلاحي حقيقي؟ والمراجعة لا تعني إسقاط العقوبة، وإنما تعني البحث، في الحالات التي يسمح بها القانون، عن أفضل وسيلة لتنفيذها.
القضية ليست حقوق إنسان فقط، فقد ينظر البعض إلى هذه المسألة باعتبارها قضية حقوقية بحت، لكن الحقيقة أنها كذلك قضية أمنية واقتصادية وقضائية واجتماعية، فكل نزيل إضافي يعني تكلفة إضافية على الدولة: غذاء، ورعاية صحية، وحراسة، ومبانٍ، وبرامج، وخدمات، وكل شخص يمكن إصلاحه خارج السجن، ضمن ضوابط قانونية صارمة، يعني تخفيضًا في تلك الكلفة، وكل محاكمة تتأخر تعني استمرار إشغال مكان في مركز الإصلاح، وكل موقوف يمكن متابعته ببديل مناسب يعني سريرًا يمكن أن يبقى متاحًا لمن يحتاج فعلًا إلى السجن.
والمطلوب ليس مجرد "خفض الاكتظاظ"، وربما آن الأوان لأن نرفع سقف الطموح، فبدل أن يكون الهدف هو تخفيض نسبة الاكتظاظ، يجب أن يكون الهدف هو إنهاء الاكتظاظ كظاهرة مزمنة، ويجب أن نقيس ذلك بالأرقام، لا بالشعارات؛ كم عدد الموقوفين إداريًا؟ وكم عدد الموقوفين في قضايا الجنح؟ وما متوسط مدة التوقيف؟ وكم نسبة المحكومين بعقوبات قصيرة؟ وكم شخصًا استفاد من بدائل التوقيف؟ وكم شخصًا استفاد من العقوبات البديلة؟ وكم تبلغ الطاقة الاستيعابية الفعلية والآمنة لكل مركز؟ عندها فقط يمكن أن نعرف إن كانت السياسة الجديدة تنجح أم لا.
لننطلق من "استيعاب النزلاء" إلى "منع إنتاج الاكتظاظ"، فالمشكلة الحقيقية أن بعض السياسات تتعامل مع السجن باعتباره المكان الطبيعي لكل من يدخل في منظومة العدالة الجنائية، لكن الدولة الحديثة يفترض أن تمتلك مجموعة من الأدوات، تبدأ بالوقاية، وتمر بالعدالة الإصلاحية، والبدائل، والعقوبات المتدرجة، وتنتهي بالسجن عندما يكون السجن هو الخيار الضروري فعلًا، لأن السجن يجب أن يكون أداة لحماية المجتمع وإصلاح الجاني، لا مستودعًا لكل من دخل في نزاع مع القانون.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس "كيف نستوعب المزيد من النزلاء؟" بل"كيف نجعل السجن لمن يستحقه فعلًا، والبديل لمن يسمح وضعه القانوني والاجتماعي بذلك؟" فإذا استطاع الأردن أن يضيّق التوقيف الإداري، ويعيد ضبط التوقيف الاحتياطي في الجنح، ويتوسع في البدائل، ويسرّع المحاكمات، ويراجع أوضاع المحكومين قصيري المدة، فإننا لا نتحدث فقط عن تخفيف الاكتظاظ.
فنحن نتحدث عن تحول حقيقي من سياسة إدارة الاكتظاظ إلى سياسة منع إنتاجه، وعندها قد لا نحتاج إلى بناء المزيد من الجدران بقدر ما نحتاج إلى إعادة بناء فلسفة العدالة نفسها، فالازدحام في مراكز الإصلاح ليس قدرًا محتومًا، والسجن ليس الحل الوحيد، وبناء المزيد من الزنازين قد يكون أسهل سياسيًا وإداريًا من إصلاح منظومة العدالة، لكنه بالتأكيد ليس الحل الأكثر استدامة، والمشكلة ليست دائمًا أن السجون صغيرة؛ أحيانًا تكون منظومة العدالة هي التي تُدخل إلى السجن عددًا أكبر ممن ينبغي أن يكونوا خلف القضبان.