الصين .. والفرصة الأردنية
د. مثقال القرالة
19-08-2026 10:56 AM
لا ينبغي أن تُقرأ زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين باعتبارها حدثاً دبلوماسياً تقليدياً، بل فرصة اقتصادية تستحق أن تُقرأ بلغة المصالح والأرقام والتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فالعلاقة الاقتصادية الأردنية الصينية، على أهميتها، ما تزال تميل إلى التجارة أكثر من الاستثمار والإنتاج المشترك؛ ففي عام 2025 بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليار دولار، مقابل صادرات أردنية إلى الصين تقارب 430 مليون دولار فقط.
وهذه الفجوة الكبيرة لا تعني أن الحل يكمن في تقييد الاستيراد، فالاقتصادات المفتوحة لا تعالج اختلالاتها بإغلاق الأسواق، كما أن جزءاً مهماً من المستوردات يتمثل في آلات ومعدات ومدخلات إنتاج يحتاجها الاقتصاد الأردني.
المشكلة الأعمق هي أن الأردن لا ينتج ويصدر إلى الصين بما يكفي، ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في أن نشتري أقل من الصين، بل في أن ننتج أكثر معها ونصدر أكثر إليها.
ومن هنا يجب أن تكون الزيارة بداية للانتقال من زيادة حجم العلاقة الاقتصادية إلى تغيير نوعيتها. فالصين تمتلك رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية وشبكات إنتاج تمتد إلى العالم، بينما يمتلك الأردن موقعاً استراتيجياً، واستقراراً مؤسسياً، ورأس مال بشري مؤهلاً، وموارد تعدينية، واتفاقيات تجارية تفتح أمام المنتجات المصنعة فيه أسواقاً أكبر بكثير من السوق المحلية.
ولذلك فإن العرض الاقتصادي الأردني للصين يجب ألا يقوم على فكرة «تعالوا لتبيعوا في الأردن»، بل «تعالوا لتصنعوا في الأردن وتصدروا منه». فالأردن لن ينافس الاقتصادات الكبرى بحجم سوقه، لكنه يستطيع المنافسة بموقعه وقدرته على التحول إلى منصة للإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية، خصوصاً إذا جرى الربط بذكاء بين العقبة والمناطق الصناعية وشبكات النقل ومشروعات البنية التحتية واتفاقيات التجارة ضمن منظومة اقتصادية واحدة.
لكن علينا في المقابل ألا نقع في فخ الاحتفاء بحجم الاستثمار وحده، فليس كل مليار دولار يدخل الاقتصاد يترك الأثر نفسه.
القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي تُقاس بما يولده من قيمة مضافة محلية: كم أردنياً يوظف؟ وكم يشتري من الشركات والموردين الأردنيين؟ وكم تكنولوجيا ينقل؟ وكم يضيف إلى الصادرات؟ وكم نشاطاً اقتصادياً جديداً ينشأ حوله؟ ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم ملياراً استقطب الأردن من الصين؟ بل: كم من قيمة هذه المليارات سيبقى داخل دورة الاقتصاد الأردني؟ وهنا تصبح نوعية الاستثمار أكثر أهمية من حجمه، خصوصاً أن الاستثمارات الصينية في المملكة تركزت تاريخياً بدرجة كبيرة في الطاقة، بينما تظل هناك مساحات واسعة يمكن توجيه رأس المال الصيني إليها في الصناعات التحويلية، والتعدين المتقدم، وتخزين الطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية.
وتبدو الفرصة أكثر وضوحاً في قطاع التعدين. فالأردن يمتلك الفوسفات والبوتاس، لكن الثروة الحقيقية لا تكمن فقط فيما نستخرجه من الأرض، بل في مقدار القيمة التي نضيفها إليه قبل أن يغادرها. وكل مرحلة تصنيع إضافية تتم داخل المملكة تعني دخلاً أعلى، ووظائف أكثر تخصصاً، وصادرات أكبر قيمة. والصين، بما تمتلكه من قاعدة صناعية ضخمة، يمكن أن تكون شريكاً في نقل جزء من هذه الصناعات إلى الأردن.
والمنطق نفسه ينطبق على الطاقة المتجددة والبطاريات والتكنولوجيا؛ فليس من مصلحة الأردن أن يبقى مستورداً نهائياً للتكنولوجيا الصينية، بل أن يسعى إلى توطين جزء من سلاسل إنتاجها، سواء في تصنيع المكونات أو التجميع أو مراكز البحث والتطوير والخدمات الرقمية.
فالفارق بين الاقتصاد الذي يشتري التكنولوجيا والاقتصاد الذي يشارك في إنتاجها هو في النهاية الفارق بين اقتصاد يستهلك القيمة واقتصاد يصنعها.
ومع ذلك، فإن العلاقات السياسية المتميزة لا تكفي وحدها لجلب الاستثمار؛ فهي تفتح الأبواب، لكن القرار النهائي للمستثمر تحكمه كلفة الطاقة والنقل، وسرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، وتوافر العمالة الماهرة، والوصول إلى الأسواق والعائد المتوقع.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الاقتصادية بعد انتهاء الزيارة، فالأردن يحتاج إلى الانتقال من عرض «الفرص» إلى تقديم مشروعات استثمارية جاهزة بأرضها وكلفتها وحوافزها وأسواقها وعوائدها المتوقعة.
عشرة مشروعات استراتيجية مدروسة وقابلة للتمويل أكثر قيمة من عشرات مذكرات التفاهم العامة، كما أن الحوافز الاستثمارية ينبغي أن ترتبط بما يقدمه المشروع للاقتصاد من تشغيل وصادرات ومحتوى محلي ونقل للتكنولوجيا، لا بحجمه المالي وحده. لهذا فإن الحكم الحقيقي على النتائج لن يكون بعد انتهاء الزيارة مباشرة، بل بعد عامين أو ثلاثة عندما نسأل: كم مشروعاً انتقل من الاتفاق إلى التنفيذ؟ كم مصنعاً بدأ الإنتاج؟ كم ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين؟ كم وظيفة نوعية خُلقت؟ وكم شركة أردنية أصبحت جزءاً من سلاسل توريد هذه الاستثمارات؟ عندها فقط يمكن قياس نجاح الدبلوماسية الاقتصادية بلغة الاقتصاد، لا بلغة البيانات.
فالزيارة الناجحة اقتصادياً ليست التي نعود منها بعدد أكبر من الاتفاقيات، بل التي نستطيع من خلالها نقل جزء من رأس المال والتكنولوجيا والإنتاج والأسواق إلى الداخل الأردني. الصين تعرف جيداً ماذا تريد من العالم، والفرصة أمام الأردن اليوم أن يعرف بدقة ماذا يريد من الصين، وأن يحوّل العلاقة معها من تجارة غير متوازنة إلى شراكة منتجة للقيمة والنمو وفرص العمل.