facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




روح المعلوماتية ما الثقافة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي؟


إبراهيم غرايبة
23-08-2026 10:41 AM

يختتم مانويل كاستلز ب أحد أهم فصول كتابه "عصر المعلومات" مؤكداً أن الشبكية؛ بما هي مزيج من الحوسبة والاتصالات والبرمجيات الإدراكية والمحاكية للإنسان، ليست مجرد شكل تنظيمي جديد، بل تمثل النموذج المؤسسي للحضارة المعلوماتية بأكملها، وأن فهمها شرط أساسي لفهم الاقتصاد، والعمل، والسلطة، والثقافة في القرن الحادي والعشرين.

ما زالت الرأسمالية تمثل الإطار الاقتصادي المسيطر، ومازالت أخلاقيات التراكم الرأسمالي، والنزعة الاستهلاكية المتجددة تشكل قوى ثقافية فاعلة داخل الاقتصاد المعلوماتي.

كما أن الدولة، والهوية الوطنية، والأسرة، ما تزال تؤدي أدواراً حاسمة في المنافسة الاقتصادية العالمية، لكن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي لتفسير الفاعل الاقتصادي الجديد الذي ظهر في عصر المعلومات، وهو المؤسسة الشبكية.

لم تعد الوحدة الأساسية للتنظيم الاقتصادي هي الفرد، ولا الأسرة، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الشركة، ولا حتى الدولة، بل أصبحت الوحدة الأساسية هي الشبكة (Network).

فهذه الشبكة تتكون من مجموعة متغيرة باستمرار من الأفراد والتنظيمات، يعاد تشكيلها كلما تغيرت البيئة الاقتصادية أو المؤسسية أو تغيرت ظروف السوق.

ومن هنا يطرح سؤال: ما الذي يحافظ على تماسك هذه الشبكات؟ هل هي مجرد تحالفات مؤقتة تحكمها المصلحة؟ قد يكون ذلك صحيحاً بالنسبة لبعض الشبكات، إلا أن الشكل الشبكي ذاته لا يمكن أن يستمر دون أن يمتلك بعداً ثقافياً خاصاً.

فلو كانت العلاقات الاقتصادية مجرد أدوات تقنية محضة، لكانت تمارس داخل فراغ اجتماعي وثقافي، وهو أمر يكذبه التاريخ كله.

ما هو الأساس الأخلاقي للمؤسسة الشبكية؟ وما هي روح المعلوماتية (The Spirit of Informationalism)؟

روح المعلوماتية ليست ثقافة جديدة بالمعنى التقليدي للكلمة، فهي ليست منظومة موحدة من القيم والمعتقدات، لأن المؤسسة الشبكية تضم عدداً كبيراً من الفاعلين المختلفين، وتنتمي إلى شبكات متنوعة ومتغيرة، الأمر الذي يجعل من المستحيل الحديث عن ثقافة واحدة موحدة.

كما أنها ليست مؤسسة اجتماعية بعينها، لأن المؤسسة الشبكية ظهرت في بيئات مؤسسية متعددة ومختلفة، واتخذت أشكالاً متنوعة تبعاً لهذه البيئات.

ومع ذلك، فإن هناك شيفرة ثقافية مشتركة تجمع بين مختلف صور المؤسسة الشبكية، هذه الشيفرة مزيج من ثقافات متعددة، وقيم متعددة، ومشروعات متعددة، تتداخل جميعها داخل عقول المشاركين في الشبكة، وتوجه استراتيجياتهم، لكنها تتغير باستمرار، بالسرعة نفسها التي تتغير بها عضوية الشبكة نفسها، وبالوتيرة التي يعاد بها تشكيل وحداتها التنظيمية.

ومن ثم فإن المؤسسة الشبكية تمتلك ثقافة بالفعل، لكنها ثقافة عابرة وزائلة (Culture of the Ephemeral).

إنها ليست ميثاقاً دائماً للحقوق والواجبات، وإنما ثقافة تتكون مع كل قرار استراتيجي جديد، وتتشكل من خليط متجدد من الخبرات والمصالح، ثم يعاد تركيبها من جديد في كل لحظة.

إذن هي ثقافة افتراضية متعددة الوجوه، تشبه الصور التي تنتجها الحواسيب في الفضاء الإلكتروني عندما تعيد ترتيب عناصر الواقع. وهي ليست وهماً أو خيالاً، بل قوة مادية حقيقية، لأنها تؤثر مباشرة في القرارات الاقتصادية الكبرى التي تتخذ داخل الشبكات في كل لحظة.

غير أنها لا تستقر طويلاً؛ فما إن تؤدي دورها حتى تتحول إلى مجرد بيانات مخزنة في ذاكرة الحاسوب، تصبح مادة خاماً لنجاحات المستقبل وإخفاقاته.

هكذا تتعلم المؤسسة الشبكية أن تعيش داخل ثقافة دائمة التغير.

فأي محاولة لتحويل موقع معين داخل الشبكة إلى نظام ثقافي ثابت محكوم عليها بالفشل، لأنها تجعل الشبكة أكثر جموداً من أن تستجيب للهندسة المتغيرة التي يفرضها الاقتصاد المعلوماتي.

إن روح المعلوماتية هي ثقافة "التدمير الخلاق" وقد تسارعت حتى أصبحت تتحرك بسرعة الدوائر الإلكترونية الضوئية التي تنقل إشاراتها.

لقد التقى شومبيتر بفيبر في الفضاء السيبراني للمؤسسة الشبكية.

ما النتائج الاجتماعية والحضارية لهذا التحول التاريخي؟ ربما تكون الإجابة في كلمات كتبها ماكس فيبر (Max Weber) قبل قرن من الزمن، عندما حلل العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية الحديثة.

إن صوت فيبر ما يزال يتردد بقوة بعد مائة عام، لأن كثيراً من الملامح التي وصفها أصبحت أكثر حضوراً في عصر المعلومات منها في عصر الصناعة.

"إن النظام الاقتصادي الحديث أصبح اليوم مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشروط التقنية والاقتصادية للإنتاج الآلي، وهي الشروط التي أصبحت تحدد حياة جميع الأفراد الذين يولدون داخل هذا النظام، وليس فقط أولئك المنخرطين مباشرة في النشاط الاقتصادي، وذلك بقوة لا تقاوم.

لقد كان ينبغي للعناية بالخيرات المادية أن تستقر على أكتاف القديس كما لو كانت عباءة خفيفة يستطيع أن يخلعها في أي لحظة. غير أن القدر شاء أن تتحول تلك العباءة إلى قفص حديدي".

واليوم، بعد أن انتصرت الرأسمالية لأنها أصبحت تقوم على أسس ميكانيكية، لم تعد بحاجة إلى ذلك السند الذي وفرته لها الروح الزهدية الدينية.

ولا أحد يعلم من الذي سيعيش داخل هذا القفص في المستقبل، أو ما إذا كان هذا التطور الهائل سينتهي إلى ظهور رساليين ودعاة جدد، أو إلى بعث عظيم للأفكار القديمة، أو إذا لم يحدث هذا ولا ذاك ــ إلى نوع من التحجر الآلي المزدان بشيء من الغرور المتشنج. وعندئذ قد يصدق على المرحلة الأخيرة من هذا التطور الثقافي القول: "متخصصون بلا روح، وحسيون بلا قلب؛ هذه العدمية تتوهم أنها بلغت مستوى من الحضارة لم يسبق للبشرية أن عرفته".

الاقتصاد المعلوماتي، على الرغم من كل ما أحدثه من ثورات تقنية وتنظيمية، لا يعفي الإنسان من السؤال الذي طرحه فيبر منذ أكثر من قرن: هل يؤدي التقدم التقني إلى تحرير الإنسان، أم إلى بناء قفص جديد أكثر تعقيداً؟، فالاقتصاد الشبكي منح المؤسسات مرونة غير مسبوقة، وجعل المعرفة والمعلومات المصدر الرئيسي للقوة والإنتاج، وأوجد أشكالاً جديدة من التعاون والابتكار. غير أن هذه المرونة نفسها قد تتحول إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار، وإلى ثقافة تقوم على التغير المستمر، بحيث لا يبقى للأفراد أو المؤسسات أو حتى القيم أي ثبات طويل الأمد.

"روح المعلوماتية" ليست مجرد احتفاء بالتكنولوجيا، بل هي ثقافة تقوم على إعادة البناء المستمرة.

وإعادة البرمجة الدائمة.

والتكيف المتواصل.

والتدمير الخلاق الذي لا يتوقف.

وفي هذا المعنى يلتقي شومبيتر، صاحب نظرية "التدمير الخلاق"، مع فيبر، صاحب مفهوم "القفص الحديدي" داخل فضاء المؤسسة الشبكية. فإذا كان شومبيتر قد وصف ديناميكية الرأسمالية بوصفها عملية لا تنتهي من الابتكار الذي يهدم القديم ليبني الجديد، فإن فيبر حذر من أن هذا التقدم قد يفضي في النهاية إلى عالم بالغ العقلانية والتنظيم، لكنه يفتقر إلى الروح والمعنى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :