قراءة يُشاد بها في خصائص الفكر العلمي
يوسف عبدالله محمود
27-08-2026 12:57 AM
الفكر العلمي بحاجة الى قدرات عقلية تنأى بنفسها عن التخمين وتعتمد "الشك" مدخلاً طبيعيًا مشروطًا الى المعرفة، هذا ما اعتمده عالم التربية الكبير الراحل د. محمد جواد رضا في كتابه القيم "المناهج الدراسية وتسطيح العقل الثقافي" الصادر عن الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية. ان اعتماد "الشك مدخلاً طبيعيًا مشروطًا الى المعرفة" هو المبدأ الذي اعتمده العقلانيون المسلمون في تعاملهم مع "الكون" أي "العالم المادي".
وباستفاضة اكثر يضيف د. رضا في كتابه السابق الذكر ان ابن خلدون جعل "الكون" مصدر الفكر الإنساني وجعل المتمرس بالكون اصلاً لمنشأ المعرفة الحقيقية. وتلك رؤية تقدمية اتبعها العقلانيون المسلمون في تعاملهم مع العالم المادي.
ينتقد د. رضا في كتابه ثقافة التصديق التي تقوم على "الرواية" واصفا إياها بأنها من بين الأسباب الرئيسة للتخلف العربي الثقافي الراهن". (المرجع السابق ص 18)
وتلك لعمري حقيقة لا جدل فيها. وهي التي تميز بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق العربي الإسلامي.
ففي نظر الحضارة والثقافة الغربية -وكما يقول هذا العالم التربوي-"فإن كل شيء يتغير الا قانون "التغيير" فهو الثابت في الفكر الغربي على حين "ان المبدأ الذي راج في الثقافة العربية الإسلامية هو "ليس في الإمكان ابدع مما كان". (المرجع السابق ص 18)
هذا المبدأ حال دون ابراز أي ابداع عربي، بل ان هذا الابداع تعرض للاضطهاد والحجب في الثقافة العربية الإسلامية.
يتطرق المؤلف الى المراحل الكبرى التي تطور خلالها الفكر العلمي الإنساني، فيرى انها أربعة تحولات (من المرحلة اللاهوتية الى المرحلة الميثافيزيقية الى المرحلة التجريبية الى المرحلة المعلوماتية". (المرجع السابق ص 19)
وفي رأيه ان شيوع تكنولوجيا المعلومات وبخاصة الانترنت ساعد "في التنمية الذاتية الإبداعية في الفهم والتحليل وتكوين المفاهيم وعمل التصاميم". (المرجع السابق ص 19)
ان الثورة التكنولوجية –اذا جاز التعبير- قد أسهمت في الارتقاء بالفكر الإنساني.
في كتابه يتطرق المؤلف الى "التربية الأخلاقية" مبيناً مواقف الناس منها حيث تبرز عدة مواقف:
ا- الاخلاق مؤسسة دينية.
ب- الاخلاق مؤسسة فلسفية.
ج- الاخلاق مؤسسة مصلحية.
د- الاخلاق مؤسسة سلوكية.
وهنا نرى المؤلف يُشيد بدور (العقلانيين المسلمين) فقد كانوا –كما يرى- سباقين الى تقرير الطبيعة التعليمية للأخلاق.
وفي إضافة اكثر يشير الى ما قاله العالم مسكويه في القرن الخامس الهجري في "تهذيب الاخلاق وتطهير الأعراق" من ان "ليس شيء من الاخلاق طبيعيًا ولا هو غير طبيعي وذلك انّا مطبوعون على قبوله، وانما ينتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعًا واما بطيئًا وهذا هو الرأي الذي نختاره لأننا شاهدناه عيانًا". (المرجع السابق ص 20)
بعبارة أخرى فمسكويه ينفي "الطبيعة المثالية للاخلاق وإنما يعد الاخلاق نتاجًا للتفاعل بين افراد المجتمع".
وبمفرداته: "ان الفضائل ليست اعداما بل هي أفعال واعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وضروب الاجتماعات، ونحن نعلّم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نُساكن بها الناس ونخالطهم ونصبر على اذاهم لنصل منها وبها الى سعادات أُخر". (المرجع السابق ص 20)
يستنتج د. رضا من كل ما تقدم ان المذاهب الفلسفية الاجتماعية المعاصرة لا تُسلم بثبات القيم الأخلاقية واطلاقها وانما هي تؤكد نسبية الاخلاق باعتبار ان القيم الأخلاقية هي حلول لمشاكل قائمة في المجتمع. فإذا اختفت تلك المشاكل اختفت القيم المقترنة بها والعكس بالعكس. (المرجع السابق ص 20)
وبعد، فإن هذا العالم التربوي الكبير الراحل قد ركز في كتابه "المناهج الدراسية وتسطيح العقل الثقافي" على ضرورة تربية طالب العلم العربي على الفكر العلمي مستشهدًا بمفكرين عرب قدماء أمثال ابن خلدون الذي اعتبر الشك مدخلاً طبيعيًا الى "المعرفة" الصحيحة".
الراحل د. محمد رضا هو بحق من انصار العقل، منفتح على الفكر العلمي. ينتقد حديثنا كعرب ومسلمين عن "الحرية" واصفًا إياه بانه يتميز بالرومانسية.
وبمفرداته: "حديثنا عن "الحرية" يتميز بالرومانسية والغبش لأننا لم نعلّم ولا نسأل الحرية لماذا؟ والحرية من ماذا؟ (المرجع السابق ص 23)
رحم الله د. محمد جواد رضا.