facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من بكين إلى عمّان: كيف تتحول زيارة الملك إلى شراكة استراتيجية؟


السفير د. موفق العجلوني
27-08-2026 01:12 AM

لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله إلى جمهورية الصين الشعبية مجرد محطة دبلوماسية في مسار العلاقات الأردنية الصينية، ولا مناسبة لتجديد التأكيد على عمق الصداقة بين البلدين؛ بل حملت في توقيتها ومضمونها دلالات أوسع، تتصل بموقع الأردن في التحولات الجارية في النظام الدولي، وبحاجته إلى تنويع شراكاته الاقتصادية، وفتح نوافذ جديدة أمام الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق.

ومن هنا، فإن القراءة الأهم للزيارة لا تتوقف عند ما تم توقيعه أو ما قيل خلال اللقاءات الرسمية، وإنما تبدأ من السؤال الذي يفرض نفسه بعد عودة جلالة الملك إلى أرض الوطن: كيف يمكن تحويل الزخم السياسي الذي وفرته الزيارة إلى نتائج اقتصادية وتنموية يشعر بها المواطن والاقتصاد الوطني؟

هذه هي المرحلة الأصعب، والأكثر أهمية.
فالزيارات الملكية تفتح الأبواب وتوفر المظلة السياسية وتضع الأردن في موقع متقدم على خريطة اهتمام الشركاء الدوليين، لكنها لا تستطيع وحدها تحويل الفرص إلى مشاريع. ذلك يحتاج إلى عمل مؤسسي متواصل، وإدارة اقتصادية أكثر سرعة، وقطاع خاص يمتلك المبادرة والقدرة على التحرك في الأسواق العالمية.

شهدت العلاقة الأردنية الصينية خلال السنوات الماضية تطوراً لافتاً، لكن المرحلة المقبلة يمكن أن تنقلها إلى مستوى مختلف إذا جرى التعامل معها باعتبارها شراكة متعددة الأبعاد.
فالصين بالنسبة للأردن ليست سوقاً استهلاكية هائلة فحسب، وإنما دولة تمتلك خبرات واسعة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل والبنية التحتية والتحول الرقمي وسلاسل التوريد.
م
وفي المقابل، يمتلك الأردن عناصر يمكن أن تجعله شريكاً مهماً للصين، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي، والكوادر البشرية، والانفتاح على الأسواق العربية والإقليمية، إضافة إلى شبكة الاتفاقيات التجارية التي يمكن أن تمنح المستثمر الذي يعمل من الأردن مجالاً أوسع للحركة. وهنا تكمن الفكرة التي ينبغي البناء عليها: أن يكون الأردن شريكاً في الإنتاج، لا مجرد سوق للمنتجات الصينية.

اما على البعد السياسي فتأتي الزيارة في مرحلة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل لموازين القوى والعلاقات الدولية.
والأردن، بحكم موقعه ودوره، يحتاج إلى علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات، تحفظ مصالحه الوطنية وتمنحه قدرة أكبر على الحركة والتأثير.

وفي هذا السياق، فإن تطوير العلاقة مع بكين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتقالاً من محور إلى آخر، وإنما باعتباره تعميقاً لسياسة أردنية تقوم على تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية.

فالأردن قادر على الحفاظ على علاقاته التاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي، وفي الوقت ذاته تطوير علاقاته مع الصين ودول آسيا والقوى الاقتصادية الصاعدة. وهذه ليست ازدواجية في السياسة الخارجية، بل هي في جوهرها واقعية سياسية واقتصادية تفرضها طبيعة العالم الجديد.

كما أن التوافق الأردني الصيني في عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، يضيف بعداً سياسياً مهماً للعلاقة، ويؤكد أن التعاون بين البلدين لا يقوم على الاقتصاد وحده.
ومع ذلك، يبقى الاقتصاد هو الاختبار الأكثر وضوحاً لنتائج الزيارة.

فالشارع الأردني لا ينتظر فقط بيانات عن الاتفاقيات، وإنما يريد أن يعرف: ماذا ستنتج هذه الاتفاقيات؟
هل ستأتي استثمارات جديدة؟
هل ستقام مصانع؟
هل سترتفع الصادرات؟
هل ستنشأ وظائف نوعية للشباب الأردني؟
هل ستنتقل تكنولوجيا وخبرات جديدة إلى المملكة؟

وهذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بل تجعلها نقطة انطلاق نحو مرحلة التنفيذ.
لقد أصبح من الضروري أن تنتقل المؤسسات الأردنية من ثقافة توقيع الاتفاقية إلى ثقافة إدارة النتائج.
فالنجاح ليس في عدد الاتفاقيات، وإنما في عدد المشاريع التي خرجت منها، وحجم الاستثمار الذي تحقق، والوظائف التي نشأت، والأسواق التي فتحت أمام المنتج الأردني.

ربما يكون أهم ما يمكن أن يحصل عليه الأردن من الشراكة مع الصين هو ما يتجاوز رأس المال. الصين اليوم قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، والأردن بحاجة إلى أن يجعل نقل التكنولوجيا جزءاً أساسياً من أي شراكة استثمارية مستقبلية.

وهذا يعني أن الاستثمارات الصينية التي تستهدف المملكة ينبغي أن تتضمن، حيثما كان ذلك ممكناً، برامج لتدريب الأردنيين، وتطوير الموردين المحليين، وإقامة مراكز بحث وتطوير، ونقل المعرفة الفنية والإدارية.

فالمصنع الذي يعمل في الأردن ويغلق دورة الإنتاج بالكامل خارج المملكة يحقق فائدة، لكن المصنع الذي يبني حوله شبكة من الشركات الأردنية الصغيرة والمتوسطة، ويخلق مهارات جديدة، ويزيد المحتوى المحلي، وينقل المعرفة، يحقق أثراً اقتصادياً أعمق بكثير.

ومن الأفكار التي تستحق اهتماماً أكبر أن يُقدَّم الأردن للمستثمر الصيني ليس باعتباره سوقاً محلية محدودة، وإنما باعتباره منصة إقليمية.

الموقع الجغرافي، والعلاقات الأردنية العربية، والاتفاقيات التجارية، والمناطق التنموية والصناعية، يمكن أن تشكل جميعها عناصر جذب إذا جرى تقديمها ضمن رؤية استثمارية واحدة ومقنعة.
وهنا يجب على المؤسسات الاقتصادية الأردنية أن تذهب إلى المستثمر الصيني بمشاريع جاهزة، لا بمجرد عروض عامة.
المستثمر الدولي يريد أن يعرف الأرض، والكلفة، والطاقة، والعمالة، والحوافز، والضرائب، واللوجستيات، والأسواق، والإجراءات، والمدة اللازمة للحصول على التراخيص. كلما كانت الإجابة الأردنية عن هذه الأسئلة أسرع وأكثر وضوحاً، أصبحت المملكة أكثر قدرة على المنافسة.

لا يمكن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية تحويل نتائج الزيارة إلى واقع اقتصادي.
فالقطاع الخاص الأردني أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة علاقته بالسوق الصينية. المطلوب ليس انتظار الشركات الصينية حتى تأتي إلى الأردن، وإنما أن تتحرك الشركات الأردنية باتجاه الصين أيضاً.

وهذا يتطلب بناء شراكات في الصناعة والتجارة والزراعة والغذاء والدواء والتكنولوجيا والخدمات، والاستفادة من الخبرة الصينية في تطوير المنتجات ورفع كفاءة الإنتاج والوصول إلى المستهلك الآسيوي.

كما أن غرف التجارة والصناعة واتحادات رجال الأعمال مطالبة بإطلاق برامج عملية للتعريف بالسوق الصينية، وليس الاكتفاء بتنظيم اللقاءات والمنتديات. فالسوق الصينية ضخمة، لكنها ليست سوقاً سهلة. ولها متطلبات ومواصفات وقنوات توزيع وثقافة استهلاكية تحتاج إلى معرفة متخصصة.

ومن أكثر الملفات التي تستحق أن تكون في مقدمة أولويات المرحلة المقبلة ملف الصادرات. فالعلاقة التجارية لا تصبح متوازنة بمجرد ارتفاع حجم التبادل التجاري إذا بقيت حصة الأردن في الصادرات محدودة.

لذلك ينبغي وضع هدف وطني واضح لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين، واختيار المنتجات التي يمتلك الأردن فيها ميزة تنافسية، والعمل مع الجانب الصيني على معالجة العوائق الفنية واللوجستية والإجرائية التي تحول دون وصولها إلى المستهلك الصيني.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية الاقتصادية يجب أن تكون حاضرة بقوة. السفارة الأردنية في بكين، والمؤسسات الاقتصادية، وغرف التجارة والصناعة، وهيئة الاستثمار، والشركات الأردنية، جميعها يجب أن تعمل ضمن منظومة واحدة.

أهم خطوة يمكن اتخاذها الان ، بعد عودة جلالةً الملك هي إنشاء آلية متابعة واضحة لنتائج الزيارة. ليس بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة، وإنما إيجاد فريق تنفيذي عالي المستوى يمتلك الصلاحية والقدرة على المتابعة، ويضم الجهات الحكومية والاقتصادية المعنية والقطاع الخاص.

كل اتفاقية يجب أن يكون لها ملف. وكل ملف يجب أن تكون له جهة مسؤولة. وكل مشروع يجب أن تكون له مدة زمنية ومؤشرات قياس.

وبذلك تصبح المتابعة عملية مؤسسية لا ترتبط بالأشخاص أو بالموسم السياسي.
والأهم أن تكون هناك تقارير دورية تقيس ما تحقق، وما تعثر، ولماذا تعثر، وما الذي يحتاج إلى قرار حكومي.

المطلوب من الحكومة ليس إطلاق موجة جديدة من التصريحات، وإنما اتخاذ خطوات عملية وسريعة.

أولها، تحديد المشاريع ذات الأولوية التي يمكن تنفيذها مع شركاء صينيين.

وثانيها، إعداد حزمة استثمارية أردنية متكاملة باللغة الصينية، تقدم المشاريع والفرص والحوافز بطريقة احترافية.

وثالثها، تسريع الإجراءات أمام المستثمرين، لأن المنافسة العالمية على الاستثمار لا تنتظر طويلاً.

ورابعها، ربط أي استثمار كبير ببرامج واضحة للتشغيل والتدريب ونقل التكنولوجيا، بما يضمن تعظيم أثره على الاقتصاد الوطني.

وخامسها، وضع برنامج لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين، مع مؤشرات زمنية واضحة.

و بالتالي المطلوب من القطاع الخاص أن يتعامل مع المرحلة باعتبارها فرصة تجارية حقيقية، لا مناسبة علاقات عامة.
فالشراكات مع الصين يمكن أن تفتح المجال أمام مشاريع مشتركة، وتصنيع مشترك، ونقل معرفة، ودخول أسواق جديدة. والشركات الأردنية التي تمتلك القدرة على المنافسة يجب أن تبدأ ببناء وجود حقيقي في السوق الصينية، سواء عبر شركاء محليين أو منصات التجارة الإلكترونية أو مكاتب تمثيل أو اتفاقيات توزيع.

كما ينبغي تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على الدخول في سلاسل التوريد المرتبطة بالاستثمارات الصينية.

ومن المهم أيضاً أن يتعامل الإعلام الأردني مع الزيارة بمنظور يتجاوز التغطية الخبرية. التغطية الإيجابية للزيارة أمر طبيعي ومفهوم، لكن الدور الأهم للإعلام يبدأ بعد انتهاء الزيارة. على الصحافة والإعلام أن يتابعوا المشاريع التي تم الإعلان عنها، وأن يسألوا بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر وعام: ماذا تحقق؟ هذه ليست مساءلة سلبية، بل مساهمة في إنجاح المسار.

فالإعلام المهني يستطيع أن يكون حلقة وصل بين المواطن والحكومة والقطاع الخاص، وأن يشرح الفرص والتحديات، وأن يلفت الانتباه إلى مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى فرص ضائعة. وتبرز في هذا السياق أهمية الاستماع إلى القراءات الاقتصادية الأردنية الرصينة، ومن بينها آراء الاقتصاديين الذين ينظرون إلى العلاقات الدولية من زاوية الاقتصاد والمصالح الوطنية.

لكن الأهم من نقل الآراء هو بناء نقاش اقتصادي أردني أوسع حول الصين:

ما الذي نريده تحديداً من هذه العلاقة؟

وما القطاعات التي نملك فيها فرصة حقيقية؟
وكيف نمنع أن يتحول اتساع التجارة إلى زيادة في الواردات من دون نمو موازٍ في الصادرات؟

هذه الأسئلة تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً بعيداً عن المبالغة في التفاؤل أو التشكيك المسبق.

الزيارة الملكية التاسعة إلى الصين وفرت للأردن رأس مال سياسي مهم، وفتحت نوافذ اقتصادية واسعة. لكن رأس المال السياسي إذا لم يتحول إلى مشاريع، يفقد جزءاً من قيمته. والاتفاقية إذا لم تتحول إلى استثمار، تبقى وثيقة. والاستثمار إذا لم يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ونقلاً للتكنولوجيا، يبقى أثره محدوداً.

لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة ترجمة وتنفيذ وقياس. الأردن لا يحتاج إلى المزيد من الوعود بقدر حاجته إلى مشاريع واضحة، وجداول زمنية محددة، وقرارات سريعة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

لقد قام جلالة الملك بفتح الباب ، والآن تقع المسؤولية على المؤسسات الاقتصادية والحكومة والقطاع الخاص لاستثمار هذا الانفتاح بأفضل صورة ممكنة.

و اخيراً و ليس اخراً ، ستبقى زيارة جلالة الملك عبد الله ابن الحسين حفظه الله إلى الصين حدثاً مهماً في مسار العلاقات الأردنية الصينية، لكن قيمتها التاريخية والاقتصادية لن تحددها البيانات التي صدرت أثناء الزيارة، ولا عدد الاتفاقيات التي تم توقيعها ، ستحددها النتائج.

فإذا شهدت السنوات المقبلة استثمارات صينية نوعية، وزيادة في الصادرات الأردنية، ونقلاً للتكنولوجيا، وتوطيناً للصناعة، وفتحاً لأسواق جديدة أمام الشركات الأردنية، فإن الزيارة ستكون قد نجحت في الانتقال بالعلاقة بين عمّان وبكين إلى مرحلة جديدة.

أما إذا بقيت النتائج في حدود التفاهمات واللقاءات، فإن الفرصة ستظل أكبر من مستوى الاستفادة منها. ولهذا، فإن الرسالة الأهم بعد عودة جلالة الملك ليست أن الصين فتحت أبوابها للأردن فحسب، بل أن على الأردن أن يكون مستعداً للدخول من هذه الأبواب بخطة واضحة، ومشاريع ناضجة، وقطاع خاص مبادر، وإدارة حكومية قادرة على تحويل الفرص إلى نتائج. فالزيارات الملكية تفتح الأبواب، لكن بناء الشراكات وصناعة النتائج يبدأ بعد عودة الطائرة إلى عمّان .


لا ترتبط بالأشخاص أو بالموسم السياسي.
والأهم أن تكون هناك تقارير دورية تقيس ما تحقق، وما تعثر، ولماذا تعثر، وما الذي يحتاج إلى قرار حكومي.

المطلوب من الحكومة ليس إطلاق موجة جديدة من التصريحات، وإنما اتخاذ خطوات عملية وسريعة.

أولها، تحديد المشاريع ذات الأولوية التي يمكن تنفيذها مع شركاء صينيين.

وثانيها، إعداد حزمة استثمارية أردنية متكاملة باللغة الصينية، تقدم المشاريع والفرص والحوافز بطريقة احترافية.

وثالثها، تسريع الإجراءات أمام المستثمرين، لأن المنافسة العالمية على الاستثمار لا تنتظر طويلاً.

ورابعها، ربط أي استثمار كبير ببرامج واضحة للتشغيل والتدريب ونقل التكنولوجيا، بما يضمن تعظيم أثره على الاقتصاد الوطني.

وخامسها، وضع برنامج لزيادة الصادرات الأردنية إلى الصين، مع مؤشرات زمنية واضحة.

و بالتالي المطلوب من القطاع الخاص أن يتعامل مع المرحلة باعتبارها فرصة تجارية حقيقية، لا مناسبة علاقات عامة.
فالشراكات مع الصين يمكن أن تفتح المجال أمام مشاريع مشتركة، وتصنيع مشترك، ونقل معرفة، ودخول أسواق جديدة. والشركات الأردنية التي تمتلك القدرة على المنافسة يجب أن تبدأ ببناء وجود حقيقي في السوق الصينية، سواء عبر شركاء محليين أو منصات التجارة الإلكترونية أو مكاتب تمثيل أو اتفاقيات توزيع.

كما ينبغي تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على الدخول في سلاسل التوريد المرتبطة بالاستثمارات الصينية.

ومن المهم أيضاً أن يتعامل الإعلام الأردني مع الزيارة بمنظور يتجاوز التغطية الخبرية. التغطية الإيجابية للزيارة أمر طبيعي ومفهوم، لكن الدور الأهم للإعلام يبدأ بعد انتهاء الزيارة. على الصحافة والإعلام أن يتابعوا المشاريع التي تم الإعلان عنها، وأن يسألوا بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر وعام: ماذا تحقق؟ هذه ليست مساءلة سلبية، بل مساهمة في إنجاح المسار.

فالإعلام المهني يستطيع أن يكون حلقة وصل بين المواطن والحكومة والقطاع الخاص، وأن يشرح الفرص والتحديات، وأن يلفت الانتباه إلى مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى فرص ضائعة. وتبرز في هذا السياق أهمية الاستماع إلى القراءات الاقتصادية الأردنية الرصينة، ومن بينها آراء الاقتصاديين الذين ينظرون إلى العلاقات الدولية من زاوية الاقتصاد والمصالح الوطنية.

لكن الأهم من نقل الآراء هو بناء نقاش اقتصادي أردني أوسع حول الصين:

ما الذي نريده تحديداً من هذه العلاقة؟

وما القطاعات التي نملك فيها فرصة حقيقية؟
وكيف نمنع أن يتحول اتساع التجارة إلى زيادة في الواردات من دون نمو موازٍ في الصادرات؟

هذه الأسئلة تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً بعيداً عن المبالغة في التفاؤل أو التشكيك المسبق.

الزيارة الملكية التاسعة إلى الصين وفرت للأردن رأس مال سياسي مهم، وفتحت نوافذ اقتصادية واسعة. لكن رأس المال السياسي إذا لم يتحول إلى مشاريع، يفقد جزءاً من قيمته. والاتفاقية إذا لم تتحول إلى استثمار، تبقى وثيقة. والاستثمار إذا لم يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ونقلاً للتكنولوجيا، يبقى أثره محدوداً.

لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة ترجمة وتنفيذ وقياس. الأردن لا يحتاج إلى المزيد من الوعود بقدر حاجته إلى مشاريع واضحة، وجداول زمنية محددة، وقرارات سريعة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

لقد قام جلالة الملك بفتح الباب ، والآن تقع المسؤولية على المؤسسات الاقتصادية والحكومة والقطاع الخاص لاستثمار هذا الانفتاح بأفضل صورة ممكنة.

و اخيراً و ليس اخراً ، ستبقى زيارة جلالة الملك عبد الله ابن الحسين حفظه الله إلى الصين حدثاً مهماً في مسار العلاقات الأردنية الصينية، لكن قيمتها التاريخية والاقتصادية لن تحددها البيانات التي صدرت أثناء الزيارة، ولا عدد الاتفاقيات التي تم توقيعها ، ستحددها النتائج.

فإذا شهدت السنوات المقبلة استثمارات صينية نوعية، وزيادة في الصادرات الأردنية، ونقلاً للتكنولوجيا، وتوطيناً للصناعة، وفتحاً لأسواق جديدة أمام الشركات الأردنية، فإن الزيارة ستكون قد نجحت في الانتقال بالعلاقة بين عمّان وبكين إلى مرحلة جديدة.

أما إذا بقيت النتائج في حدود التفاهمات واللقاءات، فإن الفرصة ستظل أكبر من مستوى الاستفادة منها. ولهذا، فإن الرسالة الأهم بعد عودة جلالة الملك ليست أن الصين فتحت أبوابها للأردن فحسب، بل أن على الأردن أن يكون مستعداً للدخول من هذه الأبواب بخطة واضحة، ومشاريع ناضجة، وقطاع خاص مبادر، وإدارة حكومية قادرة على تحويل الفرص إلى نتائج. فالزيارات الملكية تفتح الأبواب، لكن بناء الشراكات وصناعة النتائج يبدأ بعد عودة الطائرة إلى عمّان .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :