facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي الاجتماعي أو تكنولوجيا الاجتماع الإنساني


إبراهيم غرايبة
29-08-2026 02:52 PM

ثمة أهمية ملحة لمشاركة علماء الاجتماع والسياسة والقانون والإدارة والتاريخ والفلسفة في النقاش حول الذكاء الاصطناعي، وألا يتركوه للتقنيين فقط، فالأسئلة الحاسمة لا تتعلق فقط بما تستطيع الآلة فعله. بل بما يحدث للمجتمع عندما نبدأ في الاعتماد عليها كي ترى العالم بالنيابة عنا. فالسؤال الأكثر أهمية ليس متى سيكون الذكاء الاصطناعي مثل الإنسان؟ بل أي مجتمع يكون عندما تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي جزءاً من الطريقة التي نرى بها البشر، ونصنفهم، ونحكمهم، ونتخذ القرارات المتعلقة بهم؟ وهذا ليس سؤالاً عن مستقبل بعيد. إنه سؤال عن الحاضر.

تمتلك المؤسسات الحكومية مثل وزارة الصحة المستشفيات والمحاكم ودائرة الاحصاءات والأحوال المدنية والأمن العام والعمل والضمان الاجتماعي وصندوق المعونة الوطنية والشؤون الاجتماعية قواعد معلومات واسعة وشاملة عن شؤون الناس الاجتماعية والصحية والشخصية، ويمكن أن تتحول معالجة هذه المعلومات بالذكاء الاصطناعي إلى مؤشرات وسياسات وتوصيات وتنبؤات عن الصحة والمرض والجريمة والطلاق والتفكك والعنف الأسري والعمل والبطالة والإدمان، ويمكن أن تستخدمها شركات صناعية وتجارية في عمليات تجارية مربحة، مثل التأمين والاستهلاك، والمنتجات الصناعية، وقد تستخدمتها جهات ومؤسسات وشركات في التأثير على الانتخابات العامة وصناعة وتوجيه الرأي العام. وقد تكون مغرية إيجابيا أو تجاريا في هندسة المجتمعات والأفراد والأفكار والمعتقدات والمشاعر.

وهي عمليات يتداخل فيها الخير والشر، ولا يمكن وصفها أو الحكم عليها حكما واحدا قطعيا، إذ من الممكن أن تساعد المقبلين على الزواج في الاختيار والتنبؤ لتجنب الطلاق والتفك الأسري، وتساعد أيضا في التنبؤ بالصحة والمرض، كما تفيد بالتأكيد في العمل والتجارة والاستثمار، لكنها أيضا يمكن أن تساهم في تطوير العنف والجريمة والفوضى والاختراقات السياسية والاجتماعية للأمم والمجتمعات.

هناك ثلاثة مسائل على الأقل يجب التفكير بها في هذا السياق؛ ماذا يحدث عندما تكون البرمجيات والتطبيقات الاجتماعية متاحة وقليلة الكلفة ويمكن الوصول إليها واستخدامها خارج النطاق الفني والتنظيمي للمؤسسات الرسمية والقانونية أو الشركات الكبرى؟ وماذا يحدث عندما يتولى الذكاء الاصطناعي مستقلا عن البشر عمليات تنظيم المعرفة وتحويلها إلى سياسات وقرارات بعيدا عن التدخل البشري؟ وما احتمالات الاستخدام السيء وغير الأخلاقي عندما يكون للبشر أيا كان موقعهم في إدارة هذه المعرفة والتحكم بها؟

يعتقد المتحمسون للتكنولوجيا أنها يمكن أن تعمل بكفاءة ونزاهة أفضل من البشر وأنها أفضل وسيلة لمنع الفساد والجريمة ومخالفة القوانين، وفي المقابل يعتقد آخرون أنها نهاية الإنسان وتعرضه للإبادة والانقراض. وبين الفئتين يوجد فئات أخرى كثيرة متعددة، ترى أن التكنولوجيا حتمية ولا يمكن منعها أو مواجهتها، لكن يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لتنظيم استخدامها قانونيا وأخلاقيا، وفي جميع الحالات والاحتمالات فإن المجتمعات والثقافات مقدمة على تغيير كبير، وأننا في مواجهة مرحلة جديدة يكون الإنسان فيها مختلفا عما مضى في تفكيره ومشاعره وقراراته الخاصة والفردية وعلاقاته الاجتماعية والشخصية، وتتغير أيضا المؤسسات الرسمية والتعليمية تغيرا كبيرا وعميقا في هياكلها ودورها. وأن الأفراد سيكونون هم الضامن الرئيسي للعقد الاجتماعي ولن يعود للمؤسات الاجتماعية والنقابات والحكومات دور كبير أو حاسم في التنظيم والضبط الاجتماعي.

لقد بدأت بالفعل تتغير علاقة الإنسان باللغة، ففي قدرة الذكاء الاصطناعي على الكتابة والترجمة وكتابة الرواية والقصة والشعر والدراما وكذلك الرسم والموسيقى والغناء، وفي ذلك نتساءل عن مصير علاقة الإنسان باللغة والآداب والفنون والموسيقى، ولدينا الآن ذلك المثال المنتشر والمتداول عن الأغنية التي نفذها الذكاء الاصطناعي ولقيت إقبالا عالميا كبيرا.

إن العلوم الاجتماعية والإنسانية القائمة اليوم مثل علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة وكذلك الأشكال المعاصرة من التعبير مثل الرواية والشعر والقصة نشأت في القرنين الماضيين مصاحبة للثورة الصناعية، فهل ستبقى أم سنتشأ علوم اجتماعية وإنسانية وفلسفية جديدة أو مختلفة؟ لم يكن ممكنا التنبؤ بما حدث مصاحبا للثورة الصناعية وكل ما أمكننا فعله هو دراستها وتحليلها بعد وقوعها، فالحكمة بما ترمز إليها بومة منيرفا لا تحلق إلا في الغسق، أي بعد انقضاء الأحداث.

هل يمكن أن تساعدنا الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية في استيعاب صدمة الذكاء الاصطناعي أو التنبؤ بما سوف يحدث وما يجب ويمكن فعله أو فهمه؟

إن الجديد لا يولد من جديد بل من قديم. ويمكن وفق هذه القاعدة ملاحظة كيف ساهمت المطبعة في تعزيز المؤسسات التلعيمية والسياسية المركزية وقيام الدولة الحديثة، وكيف ساهمت علوم الاحصاء والرياضيات والمحاسبة في تطوير الأنظمة الاقتصادية ونشوء الشركات الكبرى، وكيف نشأت القوميات والهويات والديمقراطيات الحديثة، وهي وغيرها من منظومات اجتماعيةواقتصادية وسياسية كانت تبدو خيالا متطرفا قبل الثورة الصناعية.

مؤكد اليوم أن الإنسان يملك معرفة وثقافة واسعة غير مسبوقة يمكن أن تساعده في اتخاذ قرارات اجتماعية واقتصادية جديدة لم تكن متاحة من قبل. وسوف يغير ذلك في التنظيم الاجتماعي للأمم والأفراد. إن التكنولوجيا لا توصف بأنها خير محض أو شر محض، لكنها أيضا ليست محايدة. ويجب أن نتذكر أن الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل وليس حالة متوقعة أو مستقبلية، وما يجب التفكير به على نحو لا يقبل التأخير هو كيف تكون الاستجابة ملائمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :