facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين لا يعود الصمت بريئًا


م. عامر البشير
31-08-2026 10:24 AM

لماذا نكتب؟

ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يزول مع لحظته، وبعضها يبقى ويعبر الزمن. وبين كلمة عابرة وأخرى باقية، يعود السؤال: لماذا نكتب؟

نكتب لأن العمر لا يتسع لكل ما نراه ونتعلمه، ولأن الذاكرة تنسى. نحاول أن نحفظ معنى التجربة، وأن نترك لمن يأتي بعدنا أثرًا يقول: لقد مررنا من هنا، وهذا بعض ما تعلّمناه.

لكن الكتابة تبدأ قبل أن نمسك القلم؛ حين نرفض المرور بالأحداث بلا انتباه، أو نرى مشهدًا مألوفًا بعين السؤال، أو نشعر بأن الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، بل قبولًا باستمرار الخطأ.

فالكتابة موقف من الحياة، ومحاولة لفهم العالم والإنسان قبل الحكم عليهما. والكاتب لا يقف خارج الحياة مراقبًا؛ بل يعيش تناقضاتها، ويمنح قلقه لغة يشاركها مع الآخرين.

الكلمة فعل

قد يرى الإنسان الحدث من دون أن يفهمه كاملًا؛ فبين الرؤية والفهم مسافة تملؤها الكلمة. وكم من واقعة بدت صغيرة، ثم كشفت الأيام أنها بداية تحوّل كبير.

في فرنسا، أواخر القرن التاسع عشر، أُدين الضابط ألفريد دريفوس ظلمًا بتهمة الخيانة. وبعد صمت رسمي، نشر الروائي إميل زولا رسالته الشهيرة «إني أتهم…!»، متهمًا مسؤولين عسكريين بإخفاء الحقيقة.

لم تُنهِ الرسالة القضية، لكنها أعادتها إلى الرأي العام، وأسهمت بعد سنوات في تبرئة دريفوس؛ لتثبت أن الكلمة الشجاعة تستطيع تصحيح مسار العدالة.

وتجلّى المعنى نفسه، في زمن مختلف، حين رأى أبو ذر الغفاري اتساع الثراء، وخشي أن يقود كنز المال إلى اختلال التوازن الاجتماعي، فجهر بالدعوة إلى الإنفاق ورعاية حقوق الفقراء.

وعلى اختلاف الزمان والمكان، يلتقي الموقفان في جوهر واحد: أن يرى الإنسان خللًا فلا يمر عليه صامتًا، بل يمنحه صوتًا قد يزعج، لكنه ضروري.

وبهذه الروح أستعيد تجربة أقرب زمنًا وأقل شهرة، تنقل الفكرة من الخطاب العام إلى القرار اليومي. حين كنت نائبًا لأمين عمّان، وكنت أرأس اللجنة اللوائية للتنظيم والأبنية، كُلّفت بمعالجة مشكلات ورثتها الأمانة بعد ضم بلديات مجاورة.

وكانت التقارير، مهما بلغت دقتها، تعجز أحيانًا عن نقل حقيقة المكان؛ لذلك كنت أزور المواقع بنفسي، إذ لا يكفي أن نتعامل مع رقم في جدول، بل ينبغي أن نرى الإنسان وراءه.

في إحدى الحالات، تبيّن أن أكثر من ألف بناء في الموقّر والجيزة، معظمها مساكن، يقع ضمن مسارات شوارع معتمدة لم تُنفّذ، وأن تنفيذها كما رُسمت يعني هدم أجزاء كبيرة منها. فقمت بتوجيه دوائر التنظيم إلى دراسة كل حالة على حدة، وتعديل المسارات حيثما سمحت الشروط الفنية وحقوق الجيران. واستمر العمل نحو ثلاث سنوات، أمكن خلالها حماية نحو ألف مسكن من الهدم الكلي أو الجزئي.

لم يكن ذلك كتابة بالمعنى المعتاد، لكنه قريب من روحها: أن ننظر إلى ما وراء الرقم، وألّا نسمح للورقة بأن تحجب الإنسان. فما فعلته الكلمة عند زولا وأبي ذر، فعله القرار الإداري هنا: رفض خطأ صار مألوفًا لمجرد أنه مثبت في مخطط معتمد.

لعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس قلّة الموارد، بل اعتياد ما لا ينبغي اعتياده. فالخطأ إذا تكرر بلا سؤال بدأ يبدو طبيعيًا، والظلم إذا طال بقاؤه فقد شيئًا من قبحه. وهنا تذكّرنا الكتابة بأن المألوف ليس صحيحًا بالضرورة، وأن انتشار الخطأ لا يمنحه شرعية.

ومع ذلك، لا تنتصر الكلمة دائمًا، ولا يظهر أثرها سريعًا؛ فقد احتاجت رسالة زولا سنوات حتى تؤتي ثمارها. وقد يكون انتظار اللحظة المناسبة أجدى من كلمة تُقال قبل أوانها، بشرط أن يكون جمعًا للحجة، لا هروبًا من ثمن القول.

فالصمت الذي يخدم الحقيقة حكمة، والذي يخفيها تواطؤ، والكاتب الحصيف يعرف الفرق بين تأجيل الكلمة وإسكاتها.

أمانة الكلمة

لا أكتب لأنني أملك كل الإجابات، بل لأن السؤال الصحيح قد يكون أنفع من جواب سريع، ولأن الحقيقة يخدمها من يواصل البحث عنها، لا من يدّعي امتلاكها.

والكلمة ليست بريئة دائمًا؛ فقد تبني وعيًا، وقد تضلله. لذلك لا تنفصل حرية الكتابة عن مسؤوليتها، والكاتب لا يُسأل عمّا قاله فقط، بل عمّا تجاهله عمدًا لإخفاء الحقيقة.

وقد يكون هذا التجاهل أخطر من الخطأ الصريح؛ فمن يرى الظلم ويلتف حوله بعبارات عامة، أو يختار القضايا الآمنة ويتجنب ما له ثمن، يكتب كتابة تشبه الصمت.

ورأيت ذلك في العمل العام: تقرير يذكر «وجود تحديات تنظيمية» من دون أن يسمّي البناء المهدَّد أو صاحبه، فيبدو الأمر رقمًا محايدًا لا قضية إنسان مهدد ببيته.

فالصياغة العامة، هنا، نوع من الصمت وإن بدت كلامًا.

لذلك يجدر بالكاتب، قبل أن ينشر، أن يسأل نفسه: هل أضيف إلى الفهم أم إلى الضجيج؟ هل أبحث عن الحقيقة أم عن الفوز في جدال عابر؟ وهل تراجعت عن قول شيء لأنه غير دقيق، أم لأنه غير مريح؟

فالصدق لا يعني القسوة، والاعتدال لا يعني التنازل عن الحقيقة. وقوة الكلمة لا تأتي من ارتفاع صوتها، بل من وضوح حجتها ونزاهة صاحبها، وقدرتها على الوصول من دون جرح كرامة أحد.

القارئ شريك

لا يكتمل النص عند نقطته الأخيرة؛ فهناك تبدأ رحلته الثانية. والقارئ لا يتلقى المعنى جاهزًا، بل يعيد فهمه في ضوء تجربته، وقد يرى فيه ما لم ينتبه إليه الكاتب.

وقد جاءتني مواقف ذكّرتني بأن الكلمة لا تذهب سدى: اتصال من زميل متقاعد من أمانة عمّان يخبرني أن كلمة كُتبت في عزلة وجدت من ينتظرها، أو رسالة من دبلوماسي متقاعد يعيد إليّ جملة رآها خلاصة مقالة؛ كأن الفكرة تعود إلى صاحبها بصوت آخر.

ليست هذه مجاملات عابرة، بل تذكير بأن النص، بعد نشره، يصبح جزءًا من حوار بين أشخاص قد لا يلتقون، وربما بين أجيال تفصل بينها عقود أو قرون. فنحن نقرأ لمن رحلوا منذ زمن، ومع ذلك نشعر أحيانًا أنهم يخاطبون أسئلتنا الراهنة.

وفي الكتابة نراجع أنفسنا أيضًا؛ فكثيرًا ما نظن أننا نفهم فكرة، حتى نحاول صياغتها، فنكتشف ما فيها من نقص. إنها مرآة تكشف ما في الداخل، وقد تدفع الكاتب، وهو يراجع عبارته، إلى مراجعة موقفه.

لهذا لا أرى الكتابة في الشأن العام بعيدة عن الأدب، ولا الأدب هروبًا من الواقع؛ فكلاهما يبحث عن الإنسان وسط زحمة الأحداث. وقد يبدأ النص من مشهد عابر، ثم يقود إلى أسئلة أبعد: ما العدالة؟ وما حدود المسؤولية؟ وماذا ينبغي أن نترك لمن سيأتي بعدنا؟

بقاء المعنى

فرسالة زولا، وموقف أبي ذر، وتجربة المساكن التي كادت تحجبها الخطوط المرسومة، يجمعها خيط واحد: ألّا يبقى من لا صوت له بلا صوت. وهذا هو الفارق بين الكتابة والضجيج؛ فالضجيج يعبّر عن صاحبه، أما الكتابة الباقية فتصل إلى غيره.

ومن هنا ينتهي سؤال «لماذا نكتب؟» إلى جواب واحد: لأن الصمت، حين يطول أمام الخطأ، يتحول من موقف محايد إلى تواطؤ معه؛ ولأننا لا نطلب الخلود لأنفسنا، بل نرفض أن يُنسى ما لا ينبغي نسيانه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :