قانون التفاهة: لماذا ننشغل بسقيفة الدراجات وننسى المفاعل النووي؟
محمد نور الدباس
01-09-2026 04:25 PM
في عالم يمتلئ بالقضايا الكبرى، والمخاطر المتسارعة، والقرارات التي يمكن أن تغيّر مستقبل المؤسسات والدول والأفراد، ثمة ظاهرة غريبة تتكرر أمامنا بصورة تكاد تكون يومية؛ حيث نقضي وقتًا طويلًا في مناقشة الأمور الصغيرة، بينما نتعامل مع القضايا الكبرى وكأنها تفاصيل عابرة، وقد يجتمع مجلس إدارة لساعات لمناقشة صياغة جملة في تعميم، أو لون شعار، أو ترتيب المقاعد، أو شكل التقرير، بينما لا يمنح أكثر من دقائق معدودة لمناقشة أسباب تراجع الأداء، أو هروب الكفاءات، أو ضعف الإنتاجية، أو المخاطر التي تهدد مستقبل المؤسسة.
هذه الظاهرة ليست مجرد سوء إدارة للوقت، وإنما لها تفسير معروف في علم الإدارة والسلوك التنظيمي، أطلق عليه الكاتب والمؤرخ البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون اسم «قانون التفاهة»، أو( Parkinson’s Law of Triviality) وفكرة القانون، ببساطة شديدة، أن الناس يميلون إلى إعطاء الأمور البسيطة وقتًا ونقاشًا أكبر من حجمها، لأنهم يشعرون بأنهم يفهمونها ويستطيعون إبداء الرأي فيها، بينما يتجنبون الخوض العميق في القضايا المعقدة التي تتطلب معرفة وخبرة ومسؤولية، وهنا تبدأ المشكلة.
ونذكر مثال "سقيفة الدراجات التي سرقت وقت المفاعل النووي"، وهو من أشهر الأمثلة التي استخدمها باركنسون لتوضيح فكرته مثال افتراضي للجنة تناقش ثلاثة موضوعات؛ إنشاء مفاعل نووي، وبناء سقيفة للدراجات، وإعداد وجبة لطاقم العاملين، كون المفاعل النووي موضوع شديد التعقيد، يحتاج إلى خبراء في الطاقة والهندسة والسلامة والاقتصاد والتشريعات، ولذلك يجد أعضاء اللجنة أنفسهم مترددين في إبداء آرائهم؛ لأنهم يدركون أن الموضوع أكبر من خبراتهم، أما سقيفة الدراجات فهي مختلفة، الجميع يستطيع أن يقول رأيه؛ يجب أن تكون أكبر، أو أصغر، أو خشبية، أو معدنية، أو أن يكون لونها أخضر أو أزرق، وأن تكون في هذا المكان أو ذاك، وهكذا قد تمر مسألة المفاعل النووي بسرعة، بينما تشتعل المناقشات حول سقيفة الدراجات!
ومن هنا ظهر تعبير «Bikeshedding»، الذي أصبح يستخدم لوصف ميل الجماعات والمؤسسات إلى استنزاف وقتها في القضايا الصغيرة سهلة الفهم، على حساب القضايا الكبيرة والمعقدة والمفارقة هنا ليست في أن الناس يحبون التفاصيل، بل في أن التفاصيل تمنحهم شعورًا زائفًا بالإنجاز والسيطرة.
والمشكلة الأكبر هي عندما تصبح التفاهة ثقافة؛ أي الأخطر من وقوع المؤسسة في قانون التفاهة مرة أو مرتين هو أن يتحول الأمر إلى ثقافة، ثقافة يصبح فيها الموظف الذي يطرح سؤالًا استراتيجيًا "مزعجًا"، والذي يناقش أصل المشكلة "سلبيًا"، والذي يشير إلى خلل جوهري "معرقلًا" بينما يحصل الموظف الذي يراجع الشكل والصياغة والإجراءات على لقب "الدقيق" و"الحريص"، عندها تنقلب المعايير، ويصبح من الأسهل على الموظف أن يتحدث عن لون الغلاف بدل أن يتحدث عن فشل الاستراتيجية، وهكذا تتحول المؤسسة تدريجيًا إلى مؤسسة تتقن إدارة التفاصيل، لكنها تفشل في إدارة المستقبل.
فأفضل طريقة لمقاومة هذا القانون هي الانتقال من ثقافة الأسئلة الإجرائية إلى ثقافة الأسئلة الجوهرية، أي الانتقال من «ماذا نفعل؟» إلى «لماذا نفعل؟» فبدل أن نسأل كيف ننفذ؟ نسأل أولًا "لماذا ننفذ؟" وبدل أن نسأل متى نعقد الاجتماع؟ نسأل "ما القرار الذي يجب أن يخرج به الاجتماع؟" وبدل أن نسأل كيف نصمم التقرير؟ نسأل "ما الرسالة التي نريد أن يغير التقرير شيئًا بناءً عليها؟" وبدل أن نسأل "من المسؤول عن تنفيذ المهمة؟" نسأل "هل هذه المهمة أصلًا ضرورية لتحقيق الهدف؟" فهذا التحول البسيط من «كيف» إلى «لماذا» يمكن أن يكشف كمية هائلة من الأعمال التي نقوم بها فقط لأننا اعتدنا القيام بها.
خلاصة القول لا تجعلوا سقيفة الدراجات أهم من المفاعل؛ ففي الإدارة والحياة، هناك دائمًا «مفاعل نووي» يحتاج إلى اهتمام، وهناك دائمًا «سقيفة دراجات» يمكن أن تسرق هذا الاهتمام، والمشكلة أن سقيفة الدراجات تبدو أسهل، يمكن للجميع الحديث عنها، أما المفاعل فيحتاج إلى معرفة، وشجاعة، وتحليل، ومسؤولية، وربما إلى اتخاذ قرارات مؤلمة، ولهذا فإن المؤسسات الناضجة ليست تلك التي تهتم بكل شيء، بل تلك التي تعرف ما الذي يجب أن تهتم به أولًا، وليست المشكلة أن نناقش التفاصيل، بل المشكلة أن نجعل التفاصيل تختار لنا أجندتنا، وليست المشكلة أن نكون دقيقين، بل المشكلة أن تتحول الدقة في الهامش إلى غياب عن الجوهر، وليست المشكلة أن نعقد اجتماعات طويلة، بل المشكلة أن نخرج منها وقد أمضينا ساعتين في مناقشة «سقيفة الدراجات»، بينما ظل «المفاعل النووي» في الخارج يحترق.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات، لم تعد إدارة الوقت وحدها كافية؛ المطلوب هو إدارة الانتباه، فمن يملك القدرة على توجيه انتباهه إلى القضايا التي تصنع الفارق، يملك جزءًا كبيرًا من القدرة على صناعة المستقبل، أما من يسمح للتفاهات بأن تستولي على أجندته، فقد يكون شديد الانشغال طوال الوقت، لكن انشغاله لا يعني بالضرورة أنه يتقدم.