facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سوريا تعود اقتصاديا .. هل الأردن مستعد؟


د. مثقال القرالة
01-09-2026 04:28 PM

في الاقتصاد، لا تكفي قراءة الأرقام لمعرفة أين تتجه الفرص، فبعض التحولات الكبرى تبدأ قبل أن تظهر بوضوح في المؤشرات. وما يجري اليوم شمال الأردن يستحق أن يُقرأ بهذه الطريقة. فسوريا تدخل تدريجياً مرحلة اقتصادية مختلفة، فيما تتسارع حركة التجارة والنقل والاتصالات الاقتصادية بين عمّان ودمشق، ما يضع الأردن أمام فرصة قد تكون من أهم التحولات الاقتصادية الإقليمية خلال السنوات المقبلة. لكن السؤال الأهم ليس: ماذا سيحدث للاقتصاد السوري؟ بل: أين سيكون الاقتصاد الأردني مما سيحدث؟. فالمؤشرات الأولية تستحق الانتباه، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية إلى سوريا خلال النصف الأول من عام 2026 بنحو 36.4% لتصل إلى قرابة 146 مليون دينار. لكن الرقم ليس القصة كلها؛ فالأهم هو اتجاه الحركة. سوق بقيت لسنوات دون إمكاناتها الطبيعية بدأت تستعيد اتصالها بالاقتصاد الأردني، وقد يكون ما نشهده اليوم مجرد بداية لمسار أكبر بكثير.

لكن الخطأ هو التعامل مع سوريا باعتبارها مجرد سوق إضافية نبيع فيها الدواء والغذاء والإسمنت والمنتجات الصناعية. سوريا المقبلة ستحتاج إلى بنية تحتية وطاقة ومياه وإسكان ونقل وخدمات هندسية ومالية وتأمينية ولوجستية، إضافة إلى مستلزمات الصناعة والزراعة والصحة والتعليم. وهذه احتياجات ستفتح سوقاً واسعة تتنافس عليها الشركات الإقليمية والدولية. ويمتلك الأردن أوراقاً مهمة في هذه المنافسة: القرب الجغرافي، والاستقرار، والقطاع المصرفي المنظم، والخبرات المهنية والهندسية، والصناعات الدوائية والغذائية والكيماوية والإنشائية، وميناء العقبة، فضلاً عن علاقاته الاقتصادية مع الخليج والأسواق الدولية. لكن هناك قاعدة اقتصادية مهمة "الجغرافيا تمنحك أفضلية، لكنها لا تمنحك حصة في السوق". فالحصة ستكون لمن يمتلك التمويل، وسلاسل الإمداد، والقدرة التنفيذية، والمعلومات المبكرة، والشراكات المناسبة. لذلك يجب أن ينتقل التعامل الأردني مع الملف السوري من إدارة الحدود والتبادل التجاري إلى بناء استراتيجية اقتصادية متكاملة تجاه سوريا.

والأهم من زيادة عدد الشاحنات العابرة لمعبر جابر هو مقدار القيمة التي يستطيع الأردن الاحتفاظ بها من هذه الحركة. فاقتصاد الممرات لا يقوم على عبور البضائع فقط، بل على التخزين والتجميع والتعبئة والتمويل والتأمين والنقل والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير. وإذا نجح الأردن في بناء هذه المنظومة، فقد يتحول من مجرد دولة عبور إلى مركز اقتصادي ولوجستي يربط الخليج والعقبة بسوريا ومنها باتجاه تركيا وأوروبا. وهنا تظهر فرصة إعادة التفكير في شمال المملكة، خصوصاً المفرق والرمثا وإربد والمناطق المحيطة بمعبر جابر، لتصبح حزاماً اقتصادياً جديداً للمستودعات والمراكز اللوجستية والصناعات الخفيفة والخدمات وإعادة التصدير. وبذلك تتحول الحدود من نهاية للنشاط الاقتصادي إلى بوابة لسوق أوسع. أما الصناعة الأردنية، فهي أمام اختبار وفرصة في الوقت نفسه. فتح السوق السورية لا ينبغي أن يعني بيع فائض الإنتاج الحالي، بل إنتاج المزيد استعداداً لسوق أكبر. ويمكن التركيز على القطاعات التي يمتلك الأردن فيها مزايا نسبية، خصوصاً الصناعات الدوائية والغذائية والإنشائية والكيماوية، إلى جانب الخدمات الهندسية واللوجستية.

كما أن إعادة إعمار سوريا ستكون أكبر من قدرة معظم الشركات الأردنية منفردة؛ لذلك قد يكون النموذج الأفضل هو بناء تحالفات أردنية–خليجية–سورية تجمع التمويل والخبرة والشركات والسوق. فالأردن ليس مضطراً إلى امتلاك المشروع كاملاً؛ يمكنه أن يكون المقاول أو المورد أو المستشار أو المركز اللوجستي أو المالي الذي تمر من خلاله المشاريع. فالاقتصادات الذكية لا تبحث دائماً عن امتلاك المشروع بأكمله، بل عن امتلاك الجزء الأعلى قيمة في سلسلته. ومع ذلك، فإن الحماس للفرصة يجب ألا يحجب المخاطر. فالاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والمدفوعات والبنية التحتية والتشريعات والضمانات التجارية والاستقرار المؤسسي. ولهذا تحتاج الشركات الأردنية إلى معلومات دقيقة وأدوات تمويل للصادرات وتأمين للمخاطر وآليات واضحة لتسوية النزاعات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منصة اقتصادية أردنية متخصصة بالسوق السورية تجمع الحكومة والبنوك وغرف الصناعة والتجارة والمقاولين وشركات النقل والتأمين والاستشارات والمستثمرين. وتكون مهمتها بناء خريطة حقيقية للفرص: ماذا تحتاج سوريا؟ ما القطاعات التي يستطيع الأردن دخولها؟ من سيمول المشاريع؟ وما الذي ينبغي تطويره داخل الأردن حتى يصبح جزءاً من سلاسل القيمة الجديدة؟ ففي مثل هذه المراحل، لا تكون المعلومة خدمة مساندة للاستثمار، بل جزءاً من رأس المال نفسه.

في النهاية، لا ينبغي أن يُقاس نجاح العلاقة الاقتصادية الجديدة مع سوريا بحجم الصادرات وحده، بل بما ستضيفه إلى الناتج والاستثمار والتشغيل والصناعة والنقل والخدمات، وبقدرة الأردن على أن يصبح جزءاً دائماً من سلاسل القيمة الإقليمية. سوريا تعود اقتصادياً، والأردن بحكم الجغرافيا في مقدمة من يمكن أن يستفيد. لكن الدول لا تستفيد من التحولات الكبرى لأنها الأقرب إليها، بل لأنها الأسرع في قراءتها والأفضل في الاستعداد لها. أمام الأردن فرصة لتحويل حدوده الشمالية من خط جغرافي إلى ممر اقتصادي، وموقعه من دولة عبور إلى منصة للتجارة والاستثمار، وعلاقته مع سوريا من تبادل للسلع إلى شراكة في صناعة قيمة اقتصادية جديدة. الفرصة موجودة، والنافذة بدأت تُفتح؛ لكن السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة بعد سنوات ليس كم استفدنا من عودة سوريا، بل: هل استعددنا لها قبل أن يصل الآخرون؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :