الأردن في زمن القلق وحين تصبح الدولة أمانة
د. بركات النمر العبادي
03-09-2026 11:05 AM
في الأزمات الكبرى لا تُختبر الدول بما تقوله فقط ، بل بما تستطيع أن تفعله، ولا تُختبر المجتمعات بشعارات الوحدة، بل بقدرتها على البقاء متماسكة حين تصبح الخلافات أكثر إغراءً من التوافق.
وهذا ما يجعل اللحظة الأردنية الراهنة شديدة الحساسية ، فما يجري في الضفة الغربية ليس حدثاً بعيداً عن الأردن ، ولا مجرد ملف دبلوماسي، بل تطورات قد تحمل في داخلها احتمالات سياسية وأمنية وديموغرافية تمس مصالح الأردن واستقراره، وتفرض على الدولة أن تفكر فيما قد يحدث، لا أن تكتفي بما يحدث.
فالأردن، بحكم موقعه وتجربته التاريخية، لم يعرف ترف العيش في بيئة مستقرة، ولذلك لم تكن الدولة الأردنية مجرد جهاز إداري، بل كانت على الدوام مشروعاً تاريخياً لبناء الاستقرار في منطقة مضطربة.
ومن هنا تأتي أهمية الفكر المحافظ الأردني؛ ذلك الفكر الذي ينظر إلى الدولة والمجتمع باعتبارهما تراكماً تاريخياً من المؤسسات والثقة والروابط والذاكرة المشتركة.
والمحافظة في هذا المعنى ليست خوفاً من المستقبل، ولا رفضاً للتغيير، وإنما هي إدراك لقيمة ما راكمته الأجيال، والحذر من المغامرة بما يصعب استعادته إذا فُقد.
لذلك فإن الأردن يحتاج اليوم إلى الجاهزية، ولكن ليس إلى الجاهزية الأمنية وحدها؛ بل إلى جاهزية سياسية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية ، تقوم على قراءة الاحتمالات وإعداد الخيارات.
وهنا تبرز المسافة بين الموقف والاستراتيجية.
فالموقف يقول إن الأردن يرفض التهجير والضم وتصفية القضية الفلسطينية ، ويتمسك بأمنه واستقراره وثوابته، أما الاستراتيجية فتسأل : ماذا لو حاولت الوقائع فرض واقع جديد ؟ وما الأدوات المتاحة ؟ وما حدودها وكلفتها ؟ وما البدائل إذا تعثرت الأدوات الدبلوماسية؟
طرح هذه الأسئلة ليس دعوة إلى التصعيد ، بل هو عين المسؤولية، فالدولة التي تريد السلام تحتاج إلى الدبلوماسية، لكنها تحتاج أيضاً إلى الجاهزية، فالردع لا يعني الحرب، والقوة لا تعني استخدامها؛ وإنما تعني أن يعرف الآخرون أن للدولة مصالح وحدوداً لا يمكن تجاوزها.
غير أن الخطر الخارجي ليس الخطر الوحيد. فقد يكون الأخطر أن تنتقل الأزمة إلى الداخل، وأن يتحول الاختلاف حول الأحداث إلى خلاف حول الهوية والانتماء ، وهنا يصبح تماسك المجتمع جزءاً من الأمن الوطني.
الأردن ليس قوياً لأنه مجتمع بلا اختلاف، بل لأنه استطاع تاريخياً أن يجعل الاختلاف أقل خطراً من الانقسام، وأن يجعل الدولة إطاراً جامعاً لتعدد التجارب والمناطق والذكريات.
ولهذا فإن حماية الأردن لا تكون بحماية حدوده فقط، وإنما أيضاً بحماية نسيجه الاجتماعي من خطاب التخوين والشائعات والتحريض، فالفتنة لا تبدأ دائماً بأزمة كبرى؛ قد تبدأ بكلمة، ثم تتحول الكلمة إلى شك، والشك إلى قطيعة، وحين تتسع القطيعة يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام الخارج.
لكن الوحدة الوطنية لا تعني الصمت، كما أن الدفاع عن الدولة لا يعني إغلاق باب النقاش. الأردن يحتاج إلى مجتمع واعٍ، مختلف، لكنه متماسك؛ يختلف في السياسة دون أن يختلف على الوطن، وينتقد القرار دون أن يحول النقد إلى تخوين، ويمارس حريته بمسؤولية.
وهنا يظهر جوهر المحافظة الأردنية: حفظ الدولة، وحفظ المجتمع، وحفظ التوازن بينهما.
فالمحافظة ليست أن نخاف من المستقبل، بل أن ندخله ونحن نعرف قيمة ما نملك، وليست رفضاً للتغيير، بل رفضاً لأن تُفرض التحولات الكبرى على الدولة والمجتمع من خارج إرادتهما.
ولذلك فإن الأردن اليوم يحتاج إلى عقل الدولة لا انفعال اللحظة؛ إلى حساب الاحتمالات لا انتظار المفاجآت؛ وإلى مؤسسات هادئة ومجتمع متماسك.
وربما لا يكون السؤال الأهم : هل الأردن مستعد؟
بل:
مستعد لأي احتمال؟
فالدولة الجاهزة ليست التي تمتلك خطاباً لكل أزمة، وإنما التي تمتلك خيارات عندما تتغير الأزمة، وفي النهاية، فإن الدولة ليست ملك حكومة عابرة، ولا موقفاً سياسياً مؤقتاً؛ إنها حصيلة تاريخ وذاكرة ومؤسسات وتضحيات، وأمانة تنتقل من جيل إلى جيل.
وفي زمن القلق، تكون الوطنية الحقيقية أن نحمي هذه الأمانة بالعقل والجاهزية والثقة، وأن نختلف دون أن ننقسم، وأن نتمسك بثوابتنا دون أن نفقد قدرتنا على الحركة.
حمى الله الاردن من كل كريهة.