* أزمة عمّان لا تُحلّ من خارجها… آن الأوان لتجاوز المعالجات المنفردة نحو رؤية متكاملة
هناك لحظة في حياة المدن لا تعود فيها الأزمة مشكلة فنية تُحلّ بجسر أو نفق أو توسعة شارع، بل تصبح سؤالاً أكبر: كيف تنمو المدينة؟ أين يسكن الناس وأين يعملون؟ وكيف يصلون إلى الخدمات؟
وقد وصلت عمّان إلى هذه اللحظة منذ زمن. فالازدحام ليس نتيجة لزيادة السيارات فقط، بل تعبير عن اختلال بين استعمالات الأراضي والنقل الحضري وشبكة الطرق. استعمالات الأراضي تولّد الرحلات، والنقل العام يحدد كيف تُنجز، والطرق تستقبل في النهاية نتائج قرارات اتُّخذت قبل سنوات. ولهذا تبدأ أزمة المرور غالباً في المخطط التنظيمي قبل أن تظهر في الشارع. [6، 7، 12]
وتقدّم تجربة الباص سريع التردد مثالاً دالّاً: بدأ تنفيذه عام 2010، توقف عام 2011، ثم استؤنف ليُشغَّل عام 2021. [2، 3] وبحسب أمانة عمّان الكبرى، سجّل أكثر من 24 مليون استخدام خلال 2025، فيما تجاوز مجموع استخدامات الشبكتين معاً 109.6 مليون منذ الانطلاق حتى منتصف 2026. [1]
لكن هذه الأرقام تقول القليل بمفردها؛ فقيمتها تظهر فقط حين تُقارَن بإجمالي الرحلات اليومية في العاصمة، أي بحصة النقل العام الفعلية من كعكة التنقل الكلية لا بعدد ركّابه المطلق. فقد يرتفع عدد الركاب عاماً بعد عام بينما تتراجع حصته النسبية إن لم يواكب نموه نمو الطلب على التنقل. والمطلوب مؤشر سنوي واضح لهذه الحصة، يمكن أن تصدره دائرة الإحصاءات العامة بالتنسيق مع أمانة عمّان وهيئة تنظيم النقل، ضمن تقرير موحد لأداء النقل الحضري — عندها تصبح الأرقام أداة تخطيط ومساءلة لا مجرد مؤشر استخدام.
الأزمة لا تبدأ عند الإشارة الضوئية
حين نسمح بكثافات عمرانية عالية أو مراكز خدمية كبرى من دون نقل عام قادر على خدمتها، فإننا نصنع ازدحام المستقبل بقرار نتخذه اليوم. وحين نفصل السكن عن العمل والخدمات من دون بدائل تنقل موثوقة، تصبح السيارة الخاصة الخيار شبه الوحيد.
الجسور والأنفاق قد تكون ضرورية أحياناً، لكنها لا تحل المشكلة وحدها؛ فزيادة سعة الطرق قد تقود إلى زيادة استخدامها، وهي ظاهرة موثقة في أدبيات اقتصاديات النقل يُعرف بـ«الطلب المستحدث». [4] لكنها ليست حكماً مطلقاً، إذ يختلف أثرها بحسب طبيعة الطريق وتوافر البدائل. لذلك يجب أن يستند الحكم على أي مشروع جديد إلى دراسة جدوى مقارنة، لا إلى موقف مسبق. والمطلوب أوسع من زيادة سعة الطريق: خفض الحاجة إلى الرحلات الطويلة، وتوزيع الوظائف بصورة أفضل، وربط النمو العمراني بشبكة النقل العام.
النقل الحضري… عقد ثقة
نجاح النقل العام لا يقاس بعدد الحافلات أو الخطوط، بل بقدرة المواطن على الاعتماد عليه يومياً. فالإنسان يترك سيارته حين يثق بموعد الوصول، ويجد زمن الرحلة مقبولاً، ويستطيع التنقل بين الوسائل بسهولة. وتوضح تجربة كوريتيبا البرازيلية هذه القيمة؛ فقد ربطت المدينة منذ السبعينيات محاور النقل السريع بمناطق الكثافة والنمو، فأصبح النقل جزءاً من طريقة توسّعها. [5] النقل العام ليس وسيلة حركة فحسب، بل بنية أساسية لمدينة منتجة وعادلة، وهو في جوهره هندسة للزمن وعدالة في الوصول.
استعمالات الأراضي… حيث تُصنع الرحلة
استعمالات الأراضي تحدد اتجاهات الحركة وحجمها، ولذلك لا يجوز أن تبقى قرارات التنظيم منفصلة عن دراسات النقل. والكثافة العمرانية ليست مشكلة في ذاتها؛ فقد تزيد جدوى النقل العام وتخفض كلفة الخدمات، لكنها تصبح عبئاً حين تتركز بعيداً عن محاور النقل. وفي المقابل، فإن خفض الكثافات عشوائياً يدفع السكان إلى مناطق أبعد ويطيل رحلاتهم اليومية. [7، 12]
وهنا تبرز أهمية التنمية الموجهة بالنقل العام: توجيه الكثافات والاستعمالات المختلطة نحو المحطات والمحاور الرئيسة، بحيث يقترب السكن والعمل من شبكة النقل. [6، 7] وعمّان ليست بحاجة إلى وقف النمو، بل إلى توجيهه، مع حماية اجتماعية تحدّ من ارتفاع أسعار الأراضي حول محاور النقل، حتى لا تُبعِد مناطق التطوير الجديدة السكان الذين أُنشئت لخدمتهم.
حقوق التطوير… بين التنظيم والحقوق
لا ينبغي التعامل مع «حقوق التطوير» بوصفها حقوقاً أبدية تمنع أي تعديل تخطيطي، ولا مجرد توقعات يمكن تجاوزها بلا أثر قانوني. فالمخططات قابلة للمراجعة عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، مع مراعاة الحقوق والمراكز القانونية الناشئة عنها. [12، 16]
ومن الضروري التمييز بين التعديل التنظيمي والاستملاك؛ فليس كل تعديل منشئاً للتعويض بذاته، ويتحدد ذلك وفق القانون وطبيعة القرار. وقد بيّنت محكمة التمييز أن مجال تطبيق المادة 47 هو التعويض الذي تفرضه اللجنة اللوائية بفعل قرارات تنظيمية منصوص عليها في المادة 46، بينما حددت المادة 52 حالات فرض عوائد التنظيم الخاصة على سبيل الحصر، فلا يجوز القياس عليها. [17] أما الاستملاك الفعلي للمنفعة العامة فتطبَّق عليه الضمانة الدستورية بالتعويض العادل وأحكام قانون الملكية العقارية. [10، 15]
والخلاصة أن تصحيح أخطاء التخطيط السابقة قد يصبح واجباً حين تقتضيه المصلحة العامة، لكن الواجب نفسه يفرض أن يتم بالقانون، وبشفافية، وبأقل ضرر ممكن على الحقوق القائمة.
عمّان أكبر من حدود الأمانة
تُطرح بين حين وآخر فكرة إنشاء مدينة جديدة حلاً لأزمات العاصمة، لكن السؤال الأسبق هو: هل استنفدنا فرص إصلاح المدينة القائمة؟
فعمّان لا تنتهي وظيفياً عند حدود الأمانة؛ حركتها اليومية تربطها بالزرقاء والسلط ومادبا والجيزة والموقر والمطار. وقد تناولت وثائق البنك الدولي تخطيط النقل على مستوى «منطقة عمّان المتروبوليتانية»، مؤكدةً أهمية تخطيط أكثر تكاملاً لها. [13] والمقصود بـ«إقليم الوسط» هنا نطاق تخطيطي وظيفي يضم عمّان والمراكز المرتبطة بها يومياً، تُحدَّد حدوده بالدراسة دون أن يعني ذلك إنشاء وحدة إدارية جديدة.
والتجارب الدولية تُظهر أن إنشاء مدينة جديدة لا يحل مشكلة الحركة تلقائياً؛ ففي بوتراجايا ظل النقل الخاص مهيمناً رغم حداثة التخطيط، [8] وفي العاصمة الإدارية الجديدة في مصر احتاج الربط بالقاهرة استثمارات كبرى في القطار الكهربائي والمونوريل. [9، 11] لذلك ينبغي مقارنة كلفة إنشاء مدينة جديدة بكلفة إصلاح المدينة القائمة؛ فالأولى قد تكون خياراً تنموياً مشروعاً، لكنها ليست بديلاً عن إصلاح عمّان.
محور نقل يغيّر شكل النمو
من الأفكار الجديرة بالدراسة مقترح تقدمت به عام 2018، بعد انتهاء خدمتي النيابية، لإنشاء محور نقل سككي «قطار خفيف» عالي السعة يمتد من شفا بدران شمالاً باتجاه مطار الملكة علياء جنوباً.
وأؤكد أن هذا المقترح لا يزال فكرة أولية لم تخضع بعد لدراسة جدوى تحدد كلفته، خلافاً لمشروع «جسر عمّان» الذي باتت له تقديرات منشورة. وهذا التفاوت في النضج يمنع أي مقارنة عادلة بين الفكرتين حالياً، إذ تشترط المقارنة المسؤولة إخضاع الطرفين لمعيار واحد من العمق الفني والمالي أولاً.
وإذا ثبتت جدوى هذا المحور، يمكن أن ترتبط به خطوط مغذية متعددة الوسائط تخلق شبكة متكاملة، وتفتح المجال لمشاركة القطاع الخاص. ومن الناحية النظرية، قد يوفر بديلاً لجزء من الطلب على طريق الملك عبدالله الثاني، أحد محاور الحركة الرئيسة شمال–جنوب في غرب العاصمة — وهو ما يجعل مقارنته بمشروع «جسر عمّان» (الطريق العلوي المقترح على امتداد الطريق نفسه، بطول نحو 15.8 كيلومتر وكلفة تقديرية 462 مليون دينار، مع مسار للباص سريع التردد و13 محطة) [18] وثيقة الصلة.
ولا أطرح القطار الخفيف حلاً وحيداً، ولا ينبغي أن تكون المقارنة أيديولوجية بين «طريق» و«قطار». المطلوب دراسة فنية واقتصادية وبيئية مستقلة تقارن القطار الخفيف وتوسعة الباص سريع التردد ومشروع جسر عمّان وأي صيغة مشتركة بينها، وفق معايير واضحة: الكلفة الرأسمالية والتشغيلية على مدى دورة حياة المشروع، وكلفة كل راكب منقول يومياً، والعائد الاقتصادي والاجتماعي، وحجم خفض الازدحام على طريق الملك عبدالله الثاني تحديداً، إلى جانب مؤشرات الاستدامة البيئية وسهولة الوصول إلى النقل العام.
وحتى لا تتحول هذه الدعوة إلى دراسة أخرى مؤجَّلة، أقترح أن تُنجز خلال مدة أقصاها ثمانية عشر شهراً، وأن يُعلن جدولها الزمني فور التكليف بها، بحيث يمكن متابعة تقدمها لا انتظار نتيجتها فقط. وينبغي أن تكون الجهة المشرفة عليها مستقلة عن أصحاب المصلحة في أي من البدائل، بما يشمل كاتب هذه السطور، ضماناً لحياد النتيجة.
وجوهر الفكرة يتجاوز نوع الوسيلة: المطلوب عمود فقري قوي للنقل قادر على إعادة تشكيل النمو على امتداد مساره، وتوجيه الكثافات نحو محطاته. [6، 7] كما يمكن، ضمن إطار قانوني شفاف، الاستفادة من جزء من الزيادة في قيمة الأراضي حول المحطات لتمويل البنية التحتية عبر أدوات التقاط القيمة وحقوق التطوير، شريطة وجود تشريع واضح وعادل. [6، 12]
من الفكرة إلى التنفيذ
ما تحتاجه عمّان ليس دراسة أخرى توضع على الرف، بل إجابات واضحة عن ثلاثة أسئلة:
من يملك القرار؟ المطلوب إطار تنسيقي واحد لتخطيط ونقل إقليم الوسط بصلاحيات فعلية، لا لجنة استشارية أخرى. وأرى أن المسار الأكثر واقعية في المدى القصير هو تفويض صلاحيات ملزمة لجهة قائمة — كهيئة تنظيم النقل أو أمانة عمّان — عبر تشريع يحدد بوضوح من يقرر عند تداخل التنظيم مع النقل، على أن يكون ذلك خطوة أولى نحو هيئة إقليمية أوسع صلاحيات إن أثبتت التجربة الحاجة إليها. فإنشاء هيئة جديدة من الصفر يستغرق وقتاً قد لا تحتمله أزمة بهذا الإلحاح.
من يموّل؟ لا ينبغي أن يقتصر التمويل على الموازنة والقروض؛ فهناك الشراكة مع القطاع الخاص، والتقاط القيمة العقارية حول المحطات، والتمويل التنموي الدولي. [6، 7، 12، 13] وهذه الأدوات متفاوتة الجاهزية: التمويل التنموي الدولي هو الأنضج اليوم لتمويل الدراسة والتصميم الأولي، إذ سبق للبنك الدولي أن موّل مشاريع نقل في عمّان؛ والتقاط القيمة العقارية هو الأكثر استدامة لتمويل الصيانة والتوسع لاحقاً، لكنه يحتاج أولاً تشريعاً واضحاً غير متوفر بعد؛ أما الشراكة مع القطاع الخاص فتناسب مشاريع ذات جدوى تجارية واضحة، لا فكرة لا تزال في طورها الأولي. والتسلسل المنطقي إذن: تمويل تنموي للدراسة، ثم تشريع لالتقاط القيمة بالتوازي، على أن تُحسم صيغة التنفيذ النهائية بعد اكتمال الجدوى.
كيف تُضمن الاستمرارية؟ تذكّرنا تجربة الباص سريع التردد بأن الانقطاع في القرار له كلفة. لذلك تحتاج المشاريع الكبرى استقراراً مؤسسياً وعقوداً واضحة وتقارير أداء دورية علنية تتيح للرقابة والمواطنين متابعة التنفيذ رغم تغيّر الحكومات. وقبل أي محور جديد، نحتاج قاعدة بيانات موحدة لاستعمالات الأراضي والنقل، وسجلاً علنياً للقرارات التنظيمية، وخط أساس واضح لمؤشرات النقل — وفي مقدمتها حصة النقل العام من إجمالي الرحلات — ثم مخططاً متروبوليتانياً يربط السكان والوظائف والخدمات والنقل.
فالنجاح لا يُقاس بعدد المشاريع المفتتحة، بل بما تغيّر في حياة الناس: زمن الرحلة والانتظار، وموثوقية الخدمة، وحصة النقل العام، وسهولة الوصول، واستهلاك الطاقة. وتبقى سهولة الوصول إلى النقل العام أحد المؤشرات الأساسية المعتمدة دولياً في قياس عدالة واستدامة التنقل الحضري. [14]
نحو عمّان التي نريد
عمّان لا ينقصها الذكاء ولا الخبرة ولا الدراسات؛ ما ينقصها قرار يجمع ما فُصل، ومؤسسة واحدة تُسأل عنه، وجدول زمني يُحاسَب عليه من يخالفه.
المطلوب تغيير في طريقة اتخاذ القرار نفسها: من قرارات تنظيمية منفصلة عن دراسات النقل، إلى إطار واحد يقرأ الأرض والحركة معاً؛ ومن مشاريع تتوقف بتغيّر الحكومات، إلى التزامات مؤسسية تُقاس بتقارير علنية؛ ومن مقارنة أيديولوجية بين الخيارات، إلى دراسة جدوى مستقلة تحسم أيها الأجدى.
فأزمة عمّان لا تُحلّ من خارجها، بل بإعادة فهم المدينة القائمة، وامتلاك شجاعة تنفيذ ما نعرفه عنها، والاستعداد لتحمّل الكلفة السياسية لذلك التنفيذ.
المراجع والتوثيق
[1] وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، بيانات النقل في عمّان، 6 تموز 2026.
[2] أمانة عمّان الكبرى، مواد توثيقية بشأن مشروع الباص سريع التردد.
[3] C40 Cities, Bus Rapid Transit to Tackle Air Pollution, CO2 Emissions, and Improve Mass Public Transportation, Amman Case Study, 2019.
[4] Duranton, G. & Turner, M. A., "The Fundamental Law of Road Congestion," American Economic Review, 2011.
[5] Municipality of Curitiba، مواد توثيقية حول نظام BRT، 2024.
[6] World Bank, Financing Transit-Oriented Development with Land Values, 2015.
[7] World Bank, Transit-Oriented Neighborhoods in Amman, 2024.
[8] Borhan, M. N., et al., "Predicting the Use of Public Transportation: A Case Study from Putrajaya, Malaysia," 2014.
[9] وزارة النقل المصرية والهيئة القومية للأنفاق، مواد توثيقية حول القطار الكهربائي الخفيف، 2022.
[10] الدستور الأردني، المادة 11.
[11] رئاسة جمهورية مصر العربية، مواد توثيقية حول مونوريل شرق النيل، 2026.
[12] World Bank, Unblocking Transformative Development in Amman, 2023.
[13] World Bank, IEG, ICR Review: Jordan – Amman Development Corridor, 2014.
[14] UN-Habitat, Metadata on SDG Indicator 11.2.1, 2020.
[15] قانون الملكية العقارية رقم 13 لسنة 2019 وتعديلاته.
[16] نظام التخطيط والتنظيم داخل حدود أمانة عمّان رقم 81 لسنة 2025.
[17] محكمة التمييز الأردنية، الهيئة العامة، القرار الحقوقي رقم 5248/2024.
[18] وزارة الاستثمار الأردنية ووحدة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «مشروع إنشاء جسر عمّان»، 2026؛ وبرنامج الحكومة التنفيذي لمشروعات قطاع النقل، كانون الثاني 2026.