ماذا سيبقى من تجربة حكومة حسان عندما تنتهي؟
د. بركات النمر العبادي
05-09-2026 05:32 PM
إذا كان المقال الأول قد بحث في ما أنجزته حكومة جعفر حسان، وكان المقال الثاني قد توقف عند الفجوة بين الإنجاز الرسمي والإحساس الشعبي به، فإن السؤال الأخير هو الأكثر أهمية:ماذا سيبقى من تجربة هذه الحكومة عندما تنتهي؟
هنا تنتقل المسألة من تقييم الأداء ، إلى التفكير في الإرث السياسي الذي ستتركه هذه الحكومة ،فالحكومات عادة لا تُقاس فقط بما بدأت ، الحكومات تترك وراءها مشاريع وبرامج وقرارات ، لكن التاريخ لا يحتفظ بكل ذلك بالدرجة نفسها.
الذي يبقى عادة هو ما أحدث تحولاً ، طريق غيّر حركة الناس ، مستشفى حسّن حياة المرضى ، مشروع مياه أنهى أزمة ، استثمار خلق قطاعاً اقتصادياً جديداً ، شركة توسعت وخلقت وظائف ،جامعة أو مؤسسة رفعت مستوى التعليم ، وسياسة اقتصادية صنعت فرصاً مستدامة.
ولهذا فإن رصيد دولة جعفر حسان الحقيقي سيتحدد بقدرته على تحويل المشاريع التي تحركت في عهده إلى أصول وطنية مستدامة.
المشروع الذي يدخل الخدمة أهم من المشروع الذي يُعلن هذه قاعدة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية.
فالمشروع الذي يبقى في مرحلة الإعلان يظل وعداً. والمشروع الذي يدخل التنفيذ يصبح التزاماً.
والمشروع الذي يدخل التشغيل يصبح إنجازاً.والمشروع الذي يخلق أثراً مستداماً يصبح إرثاً.
وهذه هي السلسلة التي ينبغي أن يُقاس بها أداء الحكومة.
من هنا، فإن المشاريع الكبرى التي يجري التحضير لها في المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية ستكون الاختبار الأهم للمرحلة المقبلة.
فإذا تحولت إلى مشروعات عاملة، فإنها ستضيف إلى رصيد الحكومة ، ما إذا بقيت في دائرة التأجيل والدراسات، فإن الرصيد سيبقى ناقصاً.
رصيد الدولة أم رصيد الحكومة؟
وهنا تظهر مسألة أكثر عمقاً ، ليس كل إنجاز يحدث في عهد حكومة هو إنجاز لهذه الحكومة وحدها. فالمشاريع الوطنية الكبرى تراكمية. قد تبدأ فكرتها في حكومة |، وتمول في حكومة ثانية ، وتنفذ في ثالثة ، وتدخل الخدمة في رابعة. ومن الظلم أن تنسب الحكومة الأخيرة كل الفضل ، كما أنه من الظلم أن تحرم من فضل مرحلة التنفيذ.
لذلك فإن التقييم العادل لحكومة حسان يجب أن يفرق بين:
ما ورثته ، وما طورته ، وما بدأته ، وما أنجزته ، وما تركته جاهزاً لمن يأتي بعدها.
وهذا معيار مهم جداً في الدولة الحديثة.
ما الذي يمكن أن يحسم الرصيد السياسي؟
هناك أربعة ملفات ستحدد بدرجة كبيرة كيف ستُقرأ تجربة حسان:
أولاً: الوظائف ليس مجرد خفض البطالة ، وإنما خلق وظائف منتجة ومستدامة ذات دخل معقول.
ثانياً: الاستثمار ليس مجرد جذب رأس المال، وإنما تحويل الاستثمار إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.
ثالثاً: الخدمات ليس مجرد بناء المنشآت، وإنما تحسين تجربة المواطن في الصحة والتعليم والنقل والمياه والخدمات الحكومية.
رابعاً: كلفة الحياة لأن المواطن قد لا يهتم كثيراً بارتفاع الناتج إذا كان دخله لا يكفيه.
وهذه الملفات الأربعة هي التي ستحدد المسافة بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي.
الإنجاز يحتاج إلى زمن
من الإنصاف أيضاً أن نقول إن بعض الإصلاحات لا تظهر نتائجها خلال عام أو عامين.
• إصلاح التعليم يحتاج سنوات.
• مشاريع المياه والنقل والطاقة تحتاج سنوات.
• تغيير هيكل الاقتصاد يحتاج وقتاً.
• تطوير الإدارة العامة يحتاج تراكمات.
ولذلك فإن مطالبة الحكومة بنتائج فورية في كل الملفات ليست دائماً واقعية.
لكن هذا لا يعني إعفاء الحكومة من المساءلة.
فالفرق بين الصبر السياسي والتساهل السياسي هو وجود مسار واضح يمكن قياسه.
إذا كان هناك مشروع ، وموعد ، ومؤشر، وتمويل ، ونسبة إنجاز، فإن المجتمع يستطيع الانتظار بثقة.
أما إذا غابت هذه العناصر، فإن الانتظار يتحول إلى شك.
من الإنجاز إلى الثقة
وهنا نصل إلى جوهر المسألة،الحكومات لا تحتاج فقط إلى إنجاز المشاريع ،إنها تحتاج إلى إنتاج الثقة،والثقة لا تُبنى بالخطاب وحده. وتبنى الثقة عندما يقول المواطن:
(قالوا إن المشروع سينتهي في الموعد ، وانتهى.) ،(قالوا إن الخدمة ستتحسن، فتحسنت.)
(قالوا إن الاستثمار سيخلق وظائف، ووجدنا الوظائف.)، (قالوا إن الأزمة ستُعالج، ورأينا المعالجة).
عندها تتحول الإدارة إلى ثقة ، والثقة هي رأس المال السياسي الأكثر أهمية لأي حكومة.
أين يقف حسان الآن؟
حتى الآن، يمكن القول إن حكومة جعفر حسان بنت رصيداً لا يصح إنكاره ، لكنها في الوقت نفسه لم تصل بعد إلى النقطة التي يمكن عندها القول إن هذا الرصيد تحول بالكامل إلى أثر اجتماعي واسع. لقد تحركت الدولة. وتسارعت بعض المشاريع. وتحسنت بعض المؤشرات. وتقدمت بعض الملفات.
لكن التحدي الأكبر ما زال قائماً:
كيف يشعر المواطن بأن الدولة تتحرك من أجله؟
وهنا تحديداً لا ينبغي أن تكون الإجابة خطابية.
الإجابة يجب أن تكون في الوظيفة ، والدخل ، والخدمة ، والمشروع ، والاستثمار، والاستقرار.
ليست المسألة مع حسان أو ضده
ربما يكون أكثر ما تحتاجه الحياة السياسية الأردنية اليوم هو الخروج من هذا السؤال: هل نحن مع الحكومة أم ضدها؟ والسؤال الأكثر نضجاً هو:هل نجحت الحكومة في تحقيق ما التزمت به؟
وإذا كان الجواب جزئياً، فما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما الموعد المتوقع؟
وما الكلفة؟ وما الأثر؟
بهذه الطريقة فقط يصبح تقييم الحكومات جزءاً من بناء الدولة ، لا جزءاً من الاستقطاب السياسي.
الخاتمة: الرصيد الذي يراه المواطن
في النهاية ، قد تغادر حكومة جعفر حسان وفي سجلاتها مئات المشاريع والقرارات والمؤشرات.
لكن الحكم الأعمق سيأتي من مكان آخر. سيأتي من المواطن. فهو الذي سيحدد، بذاكرته اليومية، إن كانت السنوات التي قضتها الحكومة قد أحدثت فرقاً حقيقياً. قد لا يتذكر المواطن اسم البرنامج أو رقم المشروع. ولكنه سيتذكر المستشفى الذي عالجه.والطريق الذي سهّل حياته. والماء الذي وصل إلى منزله.والوظيفة التي حصل عليها ابنه. والاستثمار الذي فتح باباً جديداً في منطقته.والخدمة التي أصبحت أسرع.والدخل الذي أصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة.
هنا يتحول الإنجاز إلى أثر. وهنا يتحول الأثر إلى ثقة.وهنا فقط يتحول رصيد الحكومة إلى جزء من رصيد الدولة. ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام تجربة جعفر حسان ليس:
هل أنجزت الحكومة؟
فالجواب: نعم، هناك إنجازات يمكن رصدها. وليس: هل فشلت الحكومة؟ فالجواب أيضاً: لا، هذه قراءة لا تعكس الصورة كاملة.
السؤال الأكثر عدلاً وعمقاً هو: كم من رصيد الإنجاز الذي بُني في عهد جعفر حسان استطاع أن يعبر المسافة من مؤسسات الدولة إلى حياة المواطن؟
فإذا عبرها، أصبح الإنجاز أثراً.وإذا استمر أثره، أصبح إرثاً. وإذا أصبح الإرث جزءاً من قدرة الدولة على النهوض، عندها فقط يمكن القول إن الحكومة لم تكتفِ بإدارة مرحلة ، بل أضافت شيئاً إلى مسيرة الدولة الأردنية.
حمى الله الاردن من كل كريهة