facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما نعجز عن الالتزام بالقوانين التي وضعناها بأنفسنا


محمد نور الدباس
07-09-2026 09:43 AM

من أكثر المفارقات إيلاماً في الحياة العامة أن نضع القوانين والأنظمة والتعليمات، ثم نكتشف بعد ذلك أننا غير قادرين على الالتزام بها، فنشرّع القانون، ونصدر النظام، ونضع التعليمات، ثم تبدأ الاستثناءات، والتجاوزات، والتفسيرات الانتقائية، والتأجيل، والتعطيل، وكأن النص الذي أقررناه بالأمس لم يغدو ملزماً لنا اليوم.

وهنا لا تعود المشكلة مجرد مخالفة لنص قانوني؛ بل تصبح مشكلة في هيبة القانون ومصداقية الدولة وثقة الناس بالمؤسسات، فالقانون لا يفقد قوته عندما يكون سيئاً فقط، وإنما يفقدها أيضاً عندما يكون جيداً على الورق، وعاجزاً عن التطبيق في الواقع، فإذا كانت المؤسسة غير قادرة على تنفيذ النظام الذي وضعته، أو الإدارة لا تستطيع الالتزام بالتعليمات التي أصدرتها، أو الجهة التشريعية تضع قواعد لا تتناسب مع الإمكانات والواقع، وفي هذه الحالة فإنه لا يجب علينا طرح التساؤل لماذا لا يلتزم الناس بالقانون؟ بل يجب أن تسأل أنفسنا هل نحن قادرون على الالتزام بالقانون الذي نطالب الآخرين باحترامه؟ وهذه هي النقطة الجوهرية في مفهوم سيادة القانون.

فسيادة القانون لا تعني أن نصدر أكبر عدد ممكن من القوانين والأنظمة والتعليمات، وإنما أن تكون هذه القواعد قابلة للتطبيق، واضحة، واقعية، ومُلزمة للجميع، حيث إن كثرة النصوص التي لا تُطبق قد تكون أخطر من قلة النصوص؛ لأنها تخلق فجوة بين القانون والواقع. ومع مرور الوقت، يتعلم الناس أن هناك قوانين «على الورق» وقوانين «في الواقع»، وأن النص قد يكون ملزماً عندما نريد تطبيقه، وقابلاً للتجاوز عندما يصبح تطبيقه مكلفاً أو inconvenient للمؤسسة.

وهنا تبدأ الخطورة، فالمواطن عندما يرى مؤسسة لا تلتزم بتعليماتها، أو جهة تطلب منه الالتزام بإجراءات لا تطبقها هي على نفسها، فإنه لا يتعلم احترام القانون، بل يتعلم التحايل عليه، وعندما تتكرر هذه الظاهرة، تتحول المخالفة من استثناء إلى ثقافة، والاستثناء من إجراء مؤقت إلى قاعدة، والقاعدة القانونية من مرجعية حاكمة إلى مجرد توصية قابلة للتفاوض، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لسيادة القانون.

فليس عيباً أن نكتشف أن قانوناً ما يحتاج إلى تعديل، أو أن نظاماً لم يعد مناسباً، أو أن تعليمات أصبحت غير قابلة للتطبيق. العيب الحقيقي هو أن نبقي النص قائماً ثم نتوقف عن تطبيقه، فإذا كانت القاعدة غير مناسبة، فلتُعدّل، وإذا كانت التعليمات غير واقعية، فلتُراجع، وإذا كانت الإمكانات لا تسمح بالتنفيذ، فليُعاد تقييم النص قبل أن يتحول إلى التزام شكلي، أما أن نبقي القانون قائماً ونسمح بمخالفته بصورة مستمرة، فهذه ليست مرونة إدارية؛ إنها إضعاف متدرج لسيادة القانون، والأخطر من ذلك أن عدم الالتزام بالقوانين لا يقتصر أثره على المخالفة ذاتها، بل يخلق ازدواجية في المعايير.

فلماذا نطالب الموظف بالالتزام بتعليمات لا تلتزم بها الإدارة؟ ولماذا نطلب من المواطن احترام المواعيد والإجراءات بينما لا تحترمها الجهة العامة نفسها؟ ولماذا نعاقب فرداً على مخالفة قاعدة بينما نتسامح مع المؤسسة عندما تخالف القاعدة ذاتها؟ كون العدالة تبدأ من وحدة المعيار، ولا يمكن أن نطلب من المجتمع احترام القانون إذا كانت مؤسسات الدولة تتعامل معه باعتباره خياراً إدارياً، من هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ دائماً بإصدار قانون جديد؛ بل قد يبدأ أحياناً بسؤال أكثر بساطة وأكثر شجاعة؛ كم قانوناً ونظاماً وتعليمات لدينا لا نطبقها فعلياً؟ ولماذا؟ فهذا السؤال وحده يمكن أن يكشف الكثير.

قد نكتشف أن بعض التشريعات غير واقعية، وبعض التعليمات متناقضة، وبعض الإجراءات بالية، وبعض النصوص تجاوزها الزمن، وبعض الالتزامات أكبر من قدرة المؤسسات على تنفيذها، وهنا تكون الشجاعة الحقيقية في الاعتراف بذلك، ثم الإصلاح فالدولة القوية ليست التي تكثر من التشريع، وإنما التي تحترم ما شرّعته، والمؤسسة القوية ليست التي تضع عشرات التعليمات، وإنما التي تستطيع تطبيقها بعدالة واتساق.

والمسؤول القوي ليس من يطالب الآخرين باحترام القانون، وإنما من يبدأ بنفسه ومؤسسته، فقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة "سنّ القوانين" إلى ثقافة "إنفاذ القوانين"، فالقانون الذي لا يُطبق يفقد هيبته، والتعليمات التي لا تُحترم تفقد قيمتها، والنظام الذي يُخرق بصورة متكررة يتحول إلى نص بلا أثر، وفي دولة القانون، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط ماذا يقول القانون؟ بل يجب أن نسأل أيضاً، هل نلتزم نحن بما يقوله القانون؟

فحين تعجز الدولة أو مؤسساتها عن الالتزام بالقواعد التي وضعتها بنفسها، فإنها لا تفقد فقط قدرتها على فرض القانون؛ بل تخاطر بفقدان الثقة التي تجعل احترام القانون ممكناً أصلاً، فأقوى رسالة يمكن أن توجهها الدولة للمجتمع ليست قانوناً جديداً، وإنما أن يرى المواطن القانون يُحترم أولاً داخل مؤسسات الدولة نفسها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :