عمون… حين يصبح الإعلام جزءاً من ذاكرة الوطن
السفير د. موفق العجلوني
08-09-2026 09:31 AM
في المناسبات التي تتصل بعمر المؤسسات، كثيراً ما تميل الكلمات إلى تعداد الإنجازات واستعادة البدايات واستحضار المحطات، وكأن الزمن وحده هو المعيار الذي تقاس به التجارب.
غير أن بعض المؤسسات لا يقاس عمرها بعدد السنوات التي مضت، وإنما بما تركته تلك السنوات من أثر، وبما راكمته من ثقة، وبقدرتها على أن تظل حاضرة حين تتغير الأزمنة وتتبدل الوسائل وتتسارع التحولات.
ومن هذا المنظور، أجدني أمام تجربة تستحق قراءة مختلفة.
إنها تجربة «عمون»، التي تطفئ اليوم شمعتها العشرين، لا باعتبارها موقعاً إخبارياً فحسب، وإنما باعتبارها واحدة من التجارب التي رافقت التحول العميق الذي شهده الإعلام الأردني والعربي خلال العقدين الماضيين.
قبل عشرين عاماً، لم يكن الإعلام الإلكتروني قد استقر في الوعي العام بالصورة التي نعرفها اليوم. كانت المسافة بين الصحافة التقليدية والفضاء الرقمي لا تزال واسعة، وكانت الأسئلة أكثر من الإجابات حول مستقبل الإعلام الجديد، وحول قدرة المنصات الإلكترونية على بناء جمهور وثقة وتأثير.
في ذلك المناخ، جاءت «عمون» كفكرة سبقت زمنها، ثم ما لبثت أن تحولت إلى حضور، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى علامة فارقة في المشهد الإعلامي الأردني.
وهنا، لا بد من التوقف عند اسم الأستاذ سمير الحياري.
فالذين عرفوا تجربته عن قرب يدركون أن إطلاق «عمون» لم يكن مجرد مشروع مهني، بل كان رهاناً على المستقبل، وعلى أن الإعلام لا يفقد قيمته عندما تتغير أدواته، وإنما يعيد تعريف نفسه من خلالها.
والنجاح الحقيقي في مثل هذه التجارب ليس في الوصول أولاً، وإنما في الاستمرار طويلاً مع المحافظة على القدرة على التجدد.
وهذا، في تقديري، أحد أسرار «عمون».
فقد مرّ الإعلام خلال السنوات العشرين الماضية بتحولات ربما كانت أسرع وأعمق من أي مرحلة سابقة. انتقل الخبر من الصفحة إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى الهاتف، ومن المؤسسات إلى المنصات، وأصبح المواطن نفسه شريكاً في إنتاج المعلومة وتداولها. وتراجعت الحدود بين الصحفي والقارئ، وبين الخبر والتعليق، وبين اللحظة الإعلامية واللحظة الشخصية.
وفي خضم هذا التحول، كان على المؤسسات الإعلامية أن تواجه سؤالاً بالغ الصعوبة:
كيف تحافظ على مكانتها عندما يصبح نشر الخبر متاحاً للجميع؟
وكانت الإجابة العملية التي قدمتها «عمون» على مدى عشرين عاماً أن المصداقية لا تُنشر، وإنما تُبنى؛ والثقة لا تُعلن، وإنما تُراكم؛ والاسم الإعلامي لا تصنعه الضجة، وإنما تصنعه السنوات.
ولعلني أتحدث هنا بشيء من الخصوصية.
فقد كانت صفحات «عمون» على امتداد سنوات طويلة مساحة رحبة للكلمة والرأي والحوار، واحتفظت بأرشيف واسع من المقالات التي كتبتها ونشرتها فيها، حتى إن رصيدي فيها ربما اقترب من الألف مقال أو تجاوز ذلك.
لكنني لا أتعامل مع هذا الرقم باعتباره رقماً يستحق الاحتفاء بقدر ما أراه جزءاً من أرشيف تجربة فكرية وإعلامية مشتركة.
فالمقال، في نهاية المطاف، لا يعيش فقط لحظة نشره. وقد يفقد الخبر قيمته مع مرور الساعات، لكن الكلمة التي تحمل فكرة أو موقفاً أو رؤية قد تعود إليها الأجيال بعد سنوات، لتقرأ من خلالها شيئاً عن زمنها، وعن أسئلة ذلك الزمن، وعن الطريقة التي كان يفكر بها أبناؤه.
ومن هنا، أعتقد أن القيمة الأعمق لـ«عمون» تكمن في أرشيفها.
فهذا الأرشيف ليس مجموعة أخبار ومقالات وصور متراكمة فحسب؛ إنه، في جانب مهم منه، ذاكرة إلكترونية للأردن خلال عقدين من التحولات والأحداث والمواقف والشخصيات.
ولذلك فإنني، وأنا أهنئ «عمون» بعشرين عاماً، لا أهنئها فقط على ما نشرته، بل على ما حفظته من الذاكرة الوطنية والإعلامية.
وفي هذه المناسبة، لا ينبغي أن يذهب التقدير إلى رأس المؤسسة وحده، مهما كان دوره محورياً.
فهناك أولئك الذين يعملون بعيداً عن الأضواء: المحرر الذي يلاحق التفاصيل، والصحفي الذي يتحقق من المعلومة، والمصور الذي يلتقط اللحظة قبل أن تتحول إلى تاريخ، والعاملون في غرف الأخبار، وفي الجوانب الفنية والتقنية والإدارية، وكل من أسهم في أن تصل الكلمة والصورة إلى القارئ في الوقت المناسب.
هؤلاء جميعاً شركاء في صناعة التجربة.
والإعلام المحترف، في نهاية المطاف، لا يصنعه فرد، وإنما فريق يؤمن بأن وراء كل خبر مسؤولية، ووراء كل صورة حكاية، ووراء كل كلمة أثر.
لقد استطاعت «عمون» أن تعبر عقدين من الزمن، وأن تتجاوز تحولات متتالية في المشهد الإعلامي، وأن تحافظ على موقعها في بيئة أصبحت شديدة التنافس، بل وأصبح فيها الإعلام الإلكتروني نفسه أمام منافسة من نوع جديد، مصدرها منصات التواصل والذكاء الاصطناعي والتدفق غير المنقطع للمعلومات.
ومع ذلك، فإنني أرى أن المستقبل لن يكون لمن يملك أسرع وسيلة لنقل الخبر فحسب، وإنما لمن يستطيع أن يمنح الخبر المعنى والسياق والثقة.
وهذه هي المساحة التي سيظل للإعلام المهني فيها مكان لا يستطيع الزمن إلغاءه.
لقد علّمتنا السنوات أن الوسائل تتغير، أما الحاجة إلى الحقيقة فلا تتغير؛ وأن المنصات قد تتبدل، أما حاجة المجتمع إلى من يقرأ الأحداث بعين مهنية ومسؤولة فلا تنتهي.
ولهذا، فإن عشرين عاماً من «عمون» ليست نهاية مرحلة، وإنما شهادة على أن المؤسسة الإعلامية التي تحترم قارئها تستطيع أن تعبر الزمن، مهما تبدلت أدواته.
أما سمير الحياري، فأقول له في هذه المناسبة إن بعض المشاريع تُقاس بما حققته، وبعضها الآخر يُقاس بما أصبح يمثله في وجدان الناس. وأحسب أن «عمون» أصبحت، بعد عشرين عاماً، أكبر من فكرة صاحبها، وأوسع من حدود موقعها، وأقرب إلى أن تكون جزءاً من المشهد الإعلامي الذي ستعود إليه الذاكرة حين تريد أن تقرأ الأردن في السنوات الماضية.
وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فإنني أفضل ألا أقول الكثير عن «عمون» اليوم.
فبعد عشرين عاماً، تكفي صفحاتها لأن تتحدث عن نفسها.
تكفي آلاف الأخبار، وآلاف الصور، ومئات الأقلام، وعشرات الآلاف من العناوين والمواقف والحوارات، لتقول إن تجربة «عمون» لم تكن عابرة في تاريخ الإعلام الأردني. لقد كانت شاهداً على زمن، وصوتاً في زمن، وأرشيفاً لزمن.
ولهذا، فإن التهنئة في ذكرى العشرين ليست لـ«عمون» وحدها، وإنما لكل من آمن بأن الإعلام يمكن أن يكون مهنة ومسؤولية، ومنبراً وحارساً للذاكرة، ومساحة للاختلاف دون أن يفقد احترامه للحقيقة.
كل التقدير لسمير الحياري، ولأسرة «عمون» من صحفيين ومحررين ومصورين وفنيين وإداريين، وكل عام و«عمون» أكثر حضوراً وتأثيراً، وأكثر قدرة على أن تواصل رسالتها في خدمة الكلمة الحرة والإعلام المسؤول.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار حتى تكاد تفقد ذاكرتها، يبقى أعظم إنجاز لأي مؤسسة إعلامية أن تكون قادرة على أن تقول بعد عشرين عاماً:
كنا هناك… نوثق اللحظة، ونحفظ الذاكرة، ونترك للأجيال القادمة ما يستحق أن يُقرأ .
المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me